لم تعد الإجازة الصيفية مجرد فترة للراحة والابتعاد عن الدراسة، بل أصبحت فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقات داخل الأسرة، وتعزيز الصحة النفسية والعاطفية للأبناء.
وأكد تربويون واختصاصيون أسريون ونفسيون أن قضاء الأبناء وقتاً نوعياً مع أسرهم يسهم في تقوية الروابط الأسرية، وتعزيز الحوار، وترسيخ مشاعر الأمان والانتماء، بما ينعكس إيجاباً على استقرارهم النفسي وسلوكهم واستعدادهم للعودة إلى الدراسة بطاقة إيجابية.
وأوضح المختصون أن الأنشطة الأسرية خلال الإجازة، مهما كانت بسيطة، تسهم في تعزيز ما وصفوه بـ«الصيانة العاطفية» للأسرة، من خلال استعادة التواصل بين أفرادها، وتجديد الروابط التي قد تتأثر خلال العام الدراسي بسبب انشغال الأبناء والآباء.
ويرى خبير التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، الدكتور شافع النيادي، أن كثيراً من الأسر تنظر إلى الإجازة باعتبارها فترة للنوم أو السفر فقط، بينما هي في حقيقتها موسم لبناء ما يسميه «الرصيد العاطفي» بين أفراد الأسرة.
وأوضح أن الطفل لا يتذكر بعد سنوات درجاته الدراسية بقدر ما يتذكر الرحلات العائلية، واللعب مع والديه، والأحاديث الطويلة على مائدة الطعام، واللحظات المشتركة، مشيراً إلى أن هذه الذكريات تشكل جزءاً مهماً من تكوينه النفسي، وتكون أكثر تأثيراً من الهدايا أو المقتنيات، لأن الطفل يبحث قبل كل شيء عن الاهتمام والاحتواء.
وأشار إلى أن الإجازة تمثل فرصة لتعويض ما فقدته الأسرة من وقت مشترك خلال العام الدراسي، داعياً إلى تخصيص وقت يومي للأنشطة الجماعية، حتى لو كانت بسيطة مثل المشي، أو إعداد الطعام، أو ممارسة لعبة مشتركة.
وأكدت الخبيرة التربوية نجوى نصري، أن التعلم الحقيقي لا يتوقف بإغلاق أبواب المدرسة، بل يأخذ أشكالاً أخرى داخل المنزل وخارجه، موضحة أن الإجازة تمنح الطفل فرصة لاكتساب مهارات حياتية مثل تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والتواصل مع الآخرين.
وأضافت أن اصطحاب الأبناء إلى المتاحف أو المكتبات، أو مشاركتهم في الأعمال اليومية، أو إشراكهم في اتخاذ بعض القرارات، كلها تجارب تسهم في بناء شخصية أكثر استقلالية وثقة بالنفس.
ولفتت إلى أن الأسرة التي تحول الإجازة إلى تجربة قائمة على الحوار والاكتشاف تغرس لدى أبنائها حب التعلم، بدلاً من حصر المعرفة في إطار الدراسة والاختبارات.
وأوضح الدكتور أحمد العموش، أستاذ علم الاجتماع التطبيقي في جامعة الشارقة، أن الدوبامين ليس مجرد «هرمون للسعادة»، كما يعتقد البعض، بل هو ناقل عصبي يؤدي دوراً أساسياً في نظام المكافأة والتحفيز، ويمنح الإنسان الشعور بالرضا والإنجاز عند ممارسة الأنشطة الإيجابية.
وأكد أن الأطفال يفرزون الدوبامين بصورة طبيعية عند اللعب والضحك وقضاء وقت ممتع مع الأسرة، ما ينعكس على حالتهم المزاجية وقدرتهم على التركيز والتعلم.
وأضاف أن قضاء الإجازة مع الأسرة يسهم في تحفيز هذه الاستجابات بصورة صحية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الشاشات والألعاب الإلكترونية، موضحاً أن الرحلات العائلية، والرياضة، والحديث الهادئ، واللعب الجماعي، ومشاركة الوجبات، كلها أنشطة تعزز الشعور بالأمان والانتماء وتخفض مستويات التوتر والقلق.
وأشار إلى أن الاستثمار في العلاقات الأسرية خلال الإجازة يمثل وسيلة وقائية مهمة للصحة النفسية، إذ يساعد الطفل على بناء ذاكرة عاطفية إيجابية، وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الضغوط، مؤكداً أن الإجازة الأسرية ليست ترفيهاً فقط، بل دعماً للنمو النفسي والعاطفي السليم للأبناء.
وقال الخبير التربوي الدكتور محمد فتح الباب، إن الطفل يحتاج إلى الذكريات الجميلة بقدر حاجته إلى النجاح الأكاديمي، مشيراً إلى أن التجارب الأسرية الإيجابية تمنح الأطفال ثقة أعلى بالنفس وقدرة أفضل على مواجهة التحديات.
وأضاف أن الصور العائلية، والرحلات، والألعاب، والمواقف اليومية البسيطة، تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للأمان النفسي، مؤكداً أن الإجازة تمثل استثماراً طويل الأمد في الصحة النفسية للأبناء.
وأكدت التربوية منار عبدالقادر، أن الأبناء يتعلمون خلال الإجازة من سلوك والديهم أكثر مما يتعلمون من النصائح المباشرة، موضحة أن مشاهدة الأب وهو يقرأ، أو الأم وهي تمارس الرياضة، أو مشاركة أفراد الأسرة في الأعمال المنزلية، كلها رسائل تربوية غير مباشرة تترسخ في ذاكرة الطفل.
وشددت على أهمية استثمار الإجازة في تعزيز العادات الصحية والقراءة والحوار، إلى جانب تقليل ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية وزيادة الأنشطة الواقعية التي تجمع الأسرة.
ومن جانبها أوضحت الاختصاصية النفسية آمال عبدالمولى أن أفضل وصف لقضاء الإجازة مع الأسرة هو أنها «صيانة عاطفية» للعلاقات داخل المنزل، مشيرة إلى أن ضغوط العام الدراسي والعمل قد تجعل الحوار بين أفراد الأسرة يقتصر على الواجبات والاختبارات والمواعيد.
وأضافت أن الإجازة تمنح الأسرة فرصة لاستعادة الأحاديث الهادئة، واللعب، والضحك، والاحتواء، مؤكدة أن العلاقات الأسرية تحتاج إلى صيانة دورية حتى لا تتراكم المشكلات الصغيرة وتتحول إلى فجوات عاطفية.
ولفتت إلى أن الطفل الذي يشعر بالقرب من والديه خلال الإجازة يعود إلى المدرسة أكثر استقراراً من الناحية النفسية، وأكثر استعداداً للتعلم والتفاعل الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك