من يؤمن بأن التاريخ يكتبه المنتصرون لم يحِد عن قول الحق على الإطلاق، بيد أنَّ من يعتقد أن كل من انتصر وهللت له كتب التاريخ كان يستحق هذا الانتصار فقد جانبه الصواب تماماً؛ فالبشر بوجه عام موجودون في هذا الكون على هيئة فئات متباينة، والحظ عادةً لا يبتسم إلَّا لمن تميَّز بالغباء والخبث والأحقاد لكونهم فئات آمنة من السهل السيطرة عليها، إلَّا من رحم الخالق، بل أيضاً قد تصعد الفئات الآمنة لطبقة النخبة أو كما يطلق عليهم باللفظ الدَّارج «كريمة المجتمع»، تماماً كما تطفو الديدان على السطح بعد إفساد أفضل ما صنعه الخالق.
لكن أيضاً قد يُحالف الحظ بعضاً من التعساء بارعي الذكاء بعد أن تخلد أرواحهم في جنَّات بارئها، بعد رحلة طويلة وشاقة من الألم والعذاب والإقصاء المجتمعي الذي قد يتطور إلى النفي أو الإيذاء النفسي أو القتل بأبشع الوسائل؛ وهذا بعد أن يذكر سيرتهم أحد المنصفين.
ومن بعدها قد ينتشر خبر ذاك الألمعي التعس وتتلقَّفه الأزمنة والعصور المختلفة بالاحتفاء والتقدير، كما حدث لـ «باختين» و»كافكا» و»فان جوخ» و»موتسارت» وغيرهم.
لكن للأسف، يغض الجميع البصر عمَّن ألحقوا أبشع ألوان العذاب النفسي والجسدي بهؤلاء التعساء، وقد يتم الصفح عن جرائمهم الأخلاقية بسبب إنجازات ربما كانت جميعها قد سُرقت من تعساء ألمعيين آخرين وئدوا في المهد قبل أن يلتفت أحد لوجودهم.
والأقسى من كل هذا وذاك، الفئات التي لا يذكر التاريخ أسماءها لأنّ سياسة الاضطهاد والعزل قد مورست عليهم بأبشع الصور.
حقاً، حفرت إنجازاتهم مكانتها في صفحات التاريخ، لكنهم باتوا جنوداً مجهولين أو سرق أعمالهم آخرون أتقنوا حرفة الديدان الطافية.
وما يثير الأسف والألم في آن واحد، أن قوائم المظلومين ليست متناهية الطول، وإن كانت تعجّ بإنجازات وأفكار هزَّت تاريخ البشر.
ومن أكثر الأمثلة الصادمة، بعد إمعان النظر في التاريخ، يكمن في ملاحظة الحركات النسوية التي يتم التغني بها ويعتقد البعض أنّ تخويل الفرص للمرأة حديثًا قد بنى كيانها وقوتها، بيد أنَّه وضع منشؤه إقصاء واضطهاد كل أنثى صاحبة صوت وإنجاز في الماضي لحصر دورها ومهامها في الحياة في مسار تم تحديده بدقَّة.
ففي غابر الأزمنة، كانت جميع المجالات يتقاسمها الجميع.
فالمرأة على سبيل المثال، لا الحصر، استطاعت في غابر الأزمنة أن تمتلك زمام أعظم الحضارات وتصير قائداً حربياً، وزعيماً سياسياً، ورائداً ديبلوماسياً، ما أطفى صلابة على واحدة من أعظم الحضارات البشرية التي لا يزال العالم يحتفي بها حتى الآن، وبالتأكيد تلك هي الحضارة المصرية القديمة، وتلك الشخصية الفذَّة هي الملكة المصرية القديمة «حتشبسوت» (1505–1458 ق.
م تقريبًا).
وهناك عالمة الرياضيات والفلك والفيلسوفة الرومانية «هيباتيا» Hypatia (360-415 م) التي تم رجمها بالفساد الأخلاقي والسحر لأن الكنيسة قديمًا كانت تعتقد أن نشر العلوم والفلسفة هرطقة ومفسدة للأخلاق والدين.
وبتحريض من الأسقف «كيرلس» Bishop Cyril الذي اعتبر علمها ينافس سلطته، داهم المسيحيون المتعصبون مسيرتها، وتم جرَّها جرّاً من فوق عربتها وخلع ملابسها بأكملها، ثم رجمها بالأحجار والقرميد إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة.
وأمَّا المفكِّر والعالم اللغوي والأديب والمترجم والشَّاعر وعالم اللغات الفذّ «ابن المُقفع» (724-756/759م) فلقد واجه أبشع عذاب ومصير يمكن أن يواجهه إنسان على مرأى ومسمع منه، وكانت تهمته الوحيدة هي ألمعيته وفكره المُحكم وأخلاقه الحميدة وعزَّة نفسه التي لا يمكن أن يزعزع أصولها أحد.
طوال فترة حياته الوجيزة التي امتدت إلى نحو ستة وثلاثين عامًا فقط، قام بتأليف وترجمة نحو ثلاثة عشر كتاباً من درر الكتب، مع العلم أنه ترجم بعض الكتب من الفارسية والهندية والبنغالية والهندية واليونانية، وصارت ترجماته فيما بعد مرجعاً، لأنّ أصول الكتب قد وارتها ثنيات الزمان.
ومن أشهر أعماله على الإطلاق ترجمته من الهندية لكتاب «كليلة ودمنة» الذي يحتوي على العديد من الحكم والمواعظ التي تدور على ألسنة الحيوانات، وإن قيل إنه ألف أغلبها، وخاصةً تلك التي تنطوي على مغزى سياسي.
وأمَّا كتابه «الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة» فيعدّ من أشهر كتب تنمية الذّات وتعليم السمو الأخلاقي وأصول «إتيكيت» التعامل واللباقة في الحديث.
وأمَّا كتاباه «الأدب الصغير» و»الأدب الكبير»، فسبق محتواهما كتاب «الأمير» للسياسي الإيطالي «نيكولو ماكيافيللي»Niccolo Machiavilli (1469-1527)، وإن كانت النصائح السياسية والأخلاقية التي ساقها ابن المُقفَّع تُعبِّر عن الرقي والسمو ووسائل بلوغ الفوز والنجاح، بعيدًا عن الانتهازية والاستغلال، كما فعل «مكيافيللي».
ويدور كتاب «الأدب الكبير» في مبحثين، وينقسم المبحث الأوَّل إلى فصلين.
سطّر ابن المُقفَّع المبحث الأوَّل في فصلين، بحيث يوضِّح الفصل الأول ما يجب أن يظهر من شخصية السلطان وكيفية اختياره لأصدقائه والمقرَّبين له.
أمَّا الفصل الثاني فيناقش كيفية التعامل مع السلاطين وكيف يصير المرء خليلًا لهم.
وخصص المبحث الثاني من الكتاب نفسه للأصدقاء، وحسن اختيار الصديق، وحسن معاملته، وكل ما له علاقة بالأصدقاء.
وأمَّا كتاب «الأدب الصغير»، فخصصه ابن المُقفَّع في نقل ما يدور من حكمة على ألسنة الناس في عصره، أو كما قال «وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفًا»، مع مراعاة أنه أعاد صياغة ما نقله من أقوال وحكمة حتى يتلاءم محتوى الكتاب مع الغرض الأساسي لتأليفه.
لم يكن حاسدوه يعلمون طريقًا للنيل منه، بسبب أخلاقه الحميدة وبعده عن العربدة.
ولهذا، آثروا إشاعة الأكاذيب استنادًا إلى ديانته القديمة المجوسية، التي بسببها نُعِت بأن إسلامه ظاهري فاسد.
وتجدر الإشارة إلى أن مقتله كان بسبب الانحياز لحاكم ظاهري التديِّن، اختار أن يغدر به دعوته لمأدبة في منزله بعد توليه ولاية البلاد.
حينها، أمر بتقطيع أوصاله حيّاً وإلقائها على مرأى منه في تنُّورِ، إلى أن فاضت روح ابن المُقفَّع من سطوة العذاب.
ومن أكبر المفارقات أن ابن المُقفَّع احتفظ برباطة جأشه وعزَّة نفسه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.
ديدان الزمان التي تطفو على السطح لا تعدو كونها طفيليات، لن تتمكَّن أبداً من تضخيم حجمها أو عمرها أكثر من المُقدَّر له.
لكن المفكِّرين النبلاء، وأصحاب الإسهامات، وحتى هؤلاء ممن وُئِدت أحلامهم في المهد، مهما طال الزمان أو قصر، سيتم كشف اللثام عنهم ولو حتى مصادفة، ويُكشف معها زيف من سرق مجهوداتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك