قبل سنوات قليلة، كان الطفل الفلسطيني محمد سعيد، ذو الأعوام التسعة، يعيش تفاصيل طفولته البسيطة كما يحلم أي طفل في العالم، يركض خلف الكرة، ويضحك مع أقرانه، ويعود إلى منزله حاملا أحلاما صغيرة لا تتجاوز حدود طفولته، لكن الحرب قلبت كل شيء، وسرقت منه ما لا يمكن تعويضه، لتصبح حياته فصلا مؤلما من فصول المعاناة التي يعيشها أطفال غزة.
لم يعد المنزل الذي احتضن ذكرياته قائما، فقد دمره الاحتلال بالكامل، واضطرت أسرته إلى النزوح بحثا عن مكان أكثر أمانا، لتنتهي رحلتهم داخل خيمة متواضعة شمال القطاع، بالقرب من منطقة" الخط الأصفر" في جباليا، هناك، أصبحت الخيمة وطنا مؤقتا، وسقفا يحاول أن يحمي الأسرة من قسوة الأيام، بينما لا تزال آثار الحرب تحاصرهم من كل جانب، لكن أكثر ما غير حياة هذا الطفل لم يكن فقدان المنزل فحسب، بل الإصابات البالغة التي تعرض لها خلال الحرب، والتي أدت إلى بتر ساقيه وإحدى ذراعيه، إصابات كان من الممكن أن تُطفئ روح أي إنسان، لكنها لم تنجح في انتزاع إرادته أو إخماد شغفه بالحياة.
داخل تلك الخيمة الصغيرة، حيث تضيق المساحة وتثقل الهموم، يرفض محمد أن يستسلم لواقعه الجديد، حيث لا يسمح للإعاقة بأن ترسم حدود أحلامه، فيمارس التمارين الرياضية بانتظام، ويحاول أن يحافظ على قوته الجسدية والنفسية رغم الألم، وحتى كرة القدم، اللعبة التي أحبها منذ طفولته، لم تغب عن حياته، فما زال يجد طريقا لملامسة حلمه بها، متحديا ما فقده من أطراف، ومؤكدا أن الإرادة قد تكون أقوى من الجراح.
قد تبدو مشاهدة طفل فقد ساقيه وذراعا واحدة وهو يحاول ممارسة الرياضة أمرا يفوق الوصف، لكنها في الوقت نفسه تختصر حجم الإصرار الذي يحمله أطفال غزة في قلوبهم، فبين الخيام، وأصوات الحرب وآثار الدمار، لا يزال محمد سعيد يبحث عن لحظة حياة، ومساحة صغيرة يشعر فيها بأنه طفل قبل أي شيء آخر.
أعلى معدل لبتر الأطراف لدى الأطفالوأعلنت وزارة الصحة في غزة، خلال بيان لها في 3 ديسمبر الماضي، أن القطاع سجل أعلى معدل لبتر الأطراف لدى الأطفال نسبة لعدد السكان عالميا، حيث واجه آلاف الأشخاص عمليات بتر للأطراف، خلال عدوان الاحتلال على القطاع.
وأشارت إلى أن هناك أوضاع صادمة تعصف بالجرحى مبتوري الأطراف في غزة، وهناك 6000 حالة بتر بجاجة الى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، و25 % من اجمالي عدد حالات البتر هم من الأطفال الذين يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة.
وأكدت أن المعاناة الإنسانية عميقة يعيشها آلاف الجرحى وعائلاتهم تبرز الحاجة الملحة الى خدمات التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، داعية المنظمات الدولية المعنية الى توجيه دائرة الاهتمام العاجل للجرحى مبتوري الأطراف في غزة، وتعزيز فرص الرعاية التخصصية والتأهيلية.
قصة هذا الطفل الفلسطيني ليست مجرد حكاية عن إصابة أو نزوح، بل هي صورة إنسانية تعكس ما يعيشه آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين غيرت الحرب ملامح طفولتهم، إنها قصة طفل حُرم من منزله، وتغير جسده إلى الأبد، لكنه لم يسمح لليأس بأن ينتصر على روحه.
وفي غزة، حيث تتكرر مشاهد الفقد والتهجير كل يوم، يبقى الأطفال أكثر من يدفع ثمن الحرب، ومع ذلك، يواصل كثير منهم التشبث بالحياة، وصناعة الأمل من بين الركام، مؤمنين بأن المستقبل لا يزال يستحق المحاولة، والإرادة الإنسانية قادرة، رغم كل الألم، على أن تضيء شمعة في أكثر الأماكن ظلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك