تتجه الأنظار إلى مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، جنوب وسط السودان، بعد تصاعد المعارك حولها بين الجيش السوداني ومليشيا" الدعم السريع"، ما جعل المدينة تعيش حالة من التوتر، في ظل حشد" الدعم السريع" قواتها، واستهدافها المدينة بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية، الأمر الذي تسبب بأزمة معيشية خانقة، وانقطاع في الكهرباء، وشح في المياه، وارتفاع في أسعار السلع الاستهلاكية.
ويشنّ الجيش السوداني بدوره غارات جوية شبه يومية على تحركات" الدعم السريع" وتجمعاتها، في القرى التي تتمركز فيها، في محاولة لتطويق المدينة، وتمكّن من وقف تقدم حشود المقاتلين نحوها والحدّ من هجمات المسيّرات، مع إصرار مليشيا" الدعم السريع" على مزيد من التحشيد، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن المدينة مهددة بكارثة إنسانية وانتهاكات مروّعة ما لم يتوقف التصعيد.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجانبين في إبريل/نيسان 2023، شهدت مدينة الأُبيّض العديد من المعارك داخلها وخارجها، وتمكنت مليشيا" الدعم السريع" من فرض حصار خانق عليها، حتى كسره الجيش في فبراير/شباط 2025.
وخلال شهر يونيو/حزيران الماضي، صعّدت المليشيا هجماتها بالطائرات المسيّرة، مستهدفة البنية التحتية المدنية، ما أثر بشكل حاد على توفر المياه والكهرباء، كما نشرت تعزيزات عسكرية في مناطق سودري وبارا وجبل أبو سنون وجبرة الشيخ وأم صميمة، وغيرها من المواقع شمالي المدينة وغربيها وشمال غربيها.
وفشلت" الدعم السريع" رغم هجماتها بالطائرات المسيّرة، بالتقدم برياً نحو الأُبيّض، وانحسرت خلال الأيام الماضية هجمات الطائرات المسيّرة، بعد إسقاط الجيش عدداً منها، وشنه غارات جوية مكثفة على تجمعات" الدعم السريع" في عدد من مناطق وجودها بولاية شمال كردفان، وكذلك في ولاية غرب كردفان المجاورة، لكن الأوضاع الانسانية تدهورت بشكل كبير بعد استهداف محطات الكهرباء والمياه ومستودعات الوقود، فضلاً عن استهداف شاحنات البضائع التي تحاول الدخول أو الخروج من المدينة.
وتسعى مليشيا" الدعم السريع" للسيطرة على المقار والمواقع الاستراتيجية داخل المدينة وحولها، على رأسها مقر قيادة الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش، والطريق القومي الذي يمرّ عبر المدينة، ويربطها بالعاصمة الخرطوم، وكذلك جبل كردفان الذي يضم قاعدة عسكرية وموقعاً للتدريب، والذي يقع 20 كيلومتراً شرقي المدينة، إضافة إلى عدد من المقار العسكرية والمدنية الحكومية والجبال المحيطة.
وتُعتبر مدينة الأُبيّض التي تبعد حوالي 588 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة الخرطوم، مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، باعتبارها واحدة من كبرى المدن السودانية، وتضم أكبر سوق للمحاصيل النقدية في البلاد، فضلاً عن أكبر بورصة للصمغ العربي، وهي مدينة استراتيجية، إذ تمثل ملتقى طرق مهمة تربط بين مختلف ولايات البلاد، ومركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً.
كما تضم الأُبيّض التي يُطلق عليها اسم" عروس الرمال" نسبة إلى بيئة الولاية الرملية، واحدة من أشهر وحدات الجيش، وهي الفرقة الخامسة التي تسمى" الهجانة"، إذ كانت عند تأسيسها عام 1896، من قبل الاستعمار البريطاني، تستخدم الهجن أي الجمال، والتي تسيطر الآن على المدينة وتدافع عنها الى جانب مجموعات أخرى من القوات المساندة.
تُعتبر مدينة الأبيض مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الرابط بين مناطق عدةكيف يبدو الوضع في مدينة الأُبيّض؟تعيش مدينة الأُبيّض هدوءاً حذراً مع استعداد الجيش وتحشيده داخل المدينة وخارجها، بينما تتمركز مليشيا" الدعم السريع" عبر مجموعات متحركة حالياً في مناطق شمالها وشمال شرقيها وغربيها، في وقت لم يشهد الوضع الميداني تطورات جديدة منذ نحو ثلاثة أيام.
وكانت آخر تهديدات" الدعم السريع" يوم الاثنين الماضي، بإعلانها عبر منصة" تليغرام"، عن إرسال قوات من إقليم دارفور أقصى غربي السودان، والذي تسيطر على معظم مناطقه، نحو الأُبيّض.
وتضم مدينة الأُبيّض حالياً ثمانية مخيمات للنازحين، تؤوي نحو 21 ألف أسرة، بحسب بيانات مفوضية العون الإنساني الحكومية، فيما تضم الولاية حوالي مليون و200 ألف نازح، 80% منهم يقيمون خارج مراكز الإيواء، وتشهد المدينة حالياً صعوبة في الاتصالات بسبب رداءة الشبكة، مع انقطاع الكهرباء.
ويقول الحاج حسنين، وهو من النازحين الذين لجأوا الى المدينة، لـ" العربي الجديد"، إنه جاء من مدينة النهود بولاية غرب كردفان بعد اجتياحها من قبل" الدعم السريع"، ولجأ مع أسرته إلى الأُبيّض، مشيراً إلى أنهم يقيمون مع أقاربهم، ويشعرون بخوف من اشتعال المعارك في الأُبيّض، والدخول في معاناة جديدة.
ويلفت حسنين إلى أنه ليس بمقدورهم النزوح مجدداً، وأنهم لا يملكون المال الكافي لذلك، فضلاً عن توجسهم من طريق الخروج، بعد الأنباء التي وصلت إليهم حول استهداف المركبات التي تغادر أو تدخل الأبيض.
ويوضح حسنين أن الأوضاع في المدينة متوترة رغم انخفاض وتيرة هجمات الطائرات المسيّرة خلال اليومين الماضيين، إلا أن هناك انقطاعاً في الكهرباء، وندرة في مياه الشرب، وشحاً في فرص العمل، ويلفت إلى أنهم لا يحصلون على مساعدات بسبب إقامتهم خارج مخيمات النازحين، ويتلقون تحويلات مالية بسيطة من أقاربهم داخل البلاد وخارجها، لكنها لا تكفي بسبب الغلاء المتفاقم، ومحاولتهم إدخار بعض المال للسفر إذا وجدوا أنفسهم مضطرين للخروج.
من جانبها، تعبّر السيدة سلمى جبريل من سكان الأُبيّض القدامى، لـ" العربي الجديد"، من تخوفهم الكبير من الأوضاع، وما يمكن أن يحدث في ظل الهجوم الذي يوصف بالوشيك على المدينة من قبل" الدعم السريع"، مشيرة إلى أنّ حكومة الولاية تؤكد السيطرة على الأوضاع وتقدّم بعض المساعدات، مشيرة إلى أنّ المدارس تعمل رغم ذلك، وهو ما يطمئنهم قليلاً إلى إمكانية تحسّن الوضع.
معطيات أممية بشأن الأُبيّض تدق ناقوس الخطرفي تقرير الأربعاء الماضي، حذرت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان، من الآثار المدمّرة التي تلحق بالمدنيين والتي تُمارس حالياً بشكل كبير في الأُبيّض، وأعلنت إطلاق تحقيق عاجل في أي انتهاكات أو تجاوزات مزعومة لحقوق الإنسان، ولفتت إلى أنها ستواصل تحقيقاتها، وستقدّم تقارير عن الوضع في الأُبيّض والمناطق المحيطة بها إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة، عملاً بالقرار الصادر عن المجلس.
وفي قرار اعتُمد في السادس من يوليو/تموز الحالي، أعرب مجلس حقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء الخطر الوشيك بوقوع فظائع واسعة النطاق على يد قوات الدعم السريع في الأُبيّض والمناطق المحيطة بها، وطلب من بعثة تقصي الحقائق إجراء تحقيق عاجل في أي انتهاكات أو تجاوزات مزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، والجرائم الدولية ذات الصلة التي يُدّعى ارتكابها في المنطقة.
وخلال النقاش العاجل الذي عقده مجلس حقوق الإنسان بشأن الأُبيّض في الثالث من يوليو الحالي، حذّرت البعثة من أن الأنماط التي لوحظت سابقاً في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، بدأت بالظهور في الأُبيّض، بما في ذلك تطويق المدينة، والهجمات على البنية التحتية، وتزايد العزلة الإنسانية، وتصاعد المخاطر التي تهدد المدنيين.
وشددت البعثة على أن مثل هذه المؤشرات التحذيرية قد سبقت فظائع مدمّرة في أماكن أخرى من السودان، داعية إلى اتخاذ إجراءات فورية لحماية السكان.
وقالت الخبيرة العضو في بعثة تقصي الحقائق منى رشماوي، في تقرير البعثة: " يجب ألا نتجاهل الدروس المستفادة من الفاشر.
إنّ ورقتنا الجديدة لا تُظهر التكلفة الإنسانية المدمّرة للفظائع المرتكبة في الفاشر والمناطق المحيطة بها فحسب، بل تبيّن أيضاً المؤشرات التحذيرية التي سبقتها.
لقد رأينا هذا النمط من قبل: تطويق المدن، وهجمات على بنى تحتية مدنية، وفرض قيود على وصول المساعدات الإنسانية، وتصاعد العنف ضد المدنيين.
إن هذه ليست حوادث معزولة، بل هي علامات تحذيرية من وقوع المزيد من جرائم الفظائع".
وأضافت رشماوي: " يجب على أطراف النزاع، والجهات التي تقوم بتمكينها، عبر استمرار تزويدها بالأسلحة والطائرات المسيّرة وغيرها من أشكال الدعم، أن تتحرك الآن لحماية المدنيين.
ولا يزال لدى المجتمع الدولي نافذة فرصة لمنع وقوع مزيد من جرائم الفظائع.
ويجب ألا تتحوّل الأُبيّض إلى مسرح الجريمة التالي".
بدورها، قالت الخبيرة العضو في البعثة، جوي نغوزي إيزيلو، إنه" في وقت تُثار فيه مخاوف جدية بشأن المخاطر التي يواجهها المدنيون في الأُبيّض، تؤكد الاستنتاجات المستخلصة من الفاشر، الحاجة إلى اتخاذ تدابير حماية عاجلة قبل إزهاق المزيد من الأرواح".
وفي الثالث من الشهر الحالي، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن كارثة أخرى تتعلق بحقوق الإنسان، تتكشف فصولها في مدينة الأُبيّض، مشدداً على أنه لا يمكن للمجتمع الدولي أن يسمح بتكرار الفظائع واسعة النطاق التي وقعت في مخيم زمزم للنازحين وفي مدينة الفاشر بشمال دارفور العام الماضي، منبهاً إلى أن المدنيين عانوا من ظروف تشبه الحصار طوال 18 شهراً، وتعرّضوا لضربات متواصلة بطائرات مسيّرة، في ظل الصراع الدائر للسيطرة على المناطق المحيطة بالمدينة.
وجاءت كلمة المفوض أمام النقاش العاجل الذي عقده مجلس حقوق الإنسان، حول حالة حقوق الإنسان في مدينة ومحيطها، في سياق النزاع الدائر في السودان، والذي انعقد ضمن فعاليات الدورة الـ62 للمجلس في جنيف.
كما جاءت الجلسة استجابة لطلب رسمي تقدمت به مجموعة من الدول تضم ألمانيا، وأيرلندا، وهولندا، والنرويج، والمملكة المتحدة.
وقالت المجموعة في طلبها إن" هذا الإجراء أصبح ضرورياً بسبب خطر التصعيد المحتمل على الأرض، إذ يواجه نحو 500 ألف مدني خطر التعرض لانتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى مستوى الفظائع الجماعية.
كما أدت الزيادة في هجمات الطائرات المسيّرة إلى تدمير البنية التحتية المدنية، ما تسبب في نقص حاد في الوقود والمياه وسقوط ضحايا مدنيين، في ظل ظروف أشبه بالحصار حاصرت آلاف الأشخاص داخل مدينة الأُبيّض وقطعت عنهم الخدمات الأساسية".
وأفاد المفوض السامي بأن مكتبه وثق 15 هجوماً بطائرات مسيّرة على الأُبيّض والمناطق المحيطة بها في الفترة بين السادس و28 يونيو/حزيران، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنياً وإصابة 41 آخرين، محذراً من أنه من المرجح أن تكون الأعداد الفعلية للضحايا المدنيين أعلى من ذلك.
وأضاف أنه في جميع أنحاء منطقة كردفان، استهدفت طائرات مسيّرة أطلقها الجانبان بشكل متكرر، الأسواق والمدارس ومحطات الوقود والبنية التحتية للمياه ومركبات المدنيين.
وقال تورك: " تخلّف هذه الهجمات، إلى جانب نقص الوقود، آثاراً مركّبة، حيث تعيق قدرة المدنيين على الحصول على المياه النظيفة والغذاء ووسائل النقل والرعاية الصحية، فضلاً عن عرقلة تواصلهم فيما بينهم ومع العالم الخارجي".
من ناحية أخرى، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين الجدد في منطقة كردفان، ارتفع بنسبة 65% منذ بدء التصعيد في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث زاد العدد من أكثر من 132 ألف شخص في فبراير/شباط 2026، إلى ما يزيد عن 219 ألف شخص بحلول أواخر يونيو/حزيران 2026، مما يسلّط الضوء على التداعيات المتسارعة للصراع على المدنيين.
وسجلت المنظمة أكثر من 100 حادثة أدت إلى النزوح في أقل من تسعة أشهر، بمتوسط حادثة كبيرة واحدة كل يومين أو ثلاثة أيام.
وقال رئيس بعثة المنظمة في السودان، محمد رفعت، متحدثاً من مدينة بورتسودان للصحافيين في جنيف، الأسبوع الماضي، إن الوضع في مدينة الأُبيّض يكشف عن الحاجة الملحّة لإيصال المساعدات إلى السكان، قائلاً: " لا يمكننا الوصول إليهم، فنحن نسمع قصصاً من جامعي البيانات التابعين لنا الذين يقيّمون الاحتياجات، والتي تفيد بأن هؤلاء السكان يفتقرون إلى المياه والكهرباء، ويرغبون في الخروج، لكنهم لا يستطيعون ذلك".
من جهتها، تمسكت الحكومة الموازية التابعة لمليشيا" الدعم السريع" في إقليم دارفور (تكونت في 26 يوليو/ تموز 2025)، باستهداف مدينة الأُبيّض، معلّلة ذلك بوجود عدد كبير من المقار العسكرية التي يشنّ من خلالها الجيش هجماته.
وقال المتحدث باسم الحكومة الموازية خالد دناع، في بيان، الأربعاء الماضي، تعليقاً على جلسة مجلس حقوق الإنسان الأخيرة بشأن الأُبيّض، إنّ المدينة تضم عدداً من المنشآت والمواقع ذات الطبيعة العسكرية، بما في ذلك مراكز القيادة وغرف العمليات ومستودعات الإمداد العسكري، معتبراً انه وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، فإن هذه المنشآت تكتسب صفة الأهداف العسكرية المشروعة متى ما استُخدمت لأغراض عسكرية، ولا تفقد هذه الصفة لمجرد وجودها داخل مناطق مأهولة بالسكان، " مع بقاء الالتزام قائماً بمبادئ التمييز والتناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية".
وأشار إلى أنّ من" الحقائق الجوهرية" التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في المناقشات الدولية المتعلقة بمدينة الأُبيّض، وفق قوله، أن المدينة تضم أكبر قاعدة عسكرية في غرب السودان، وقد ظلت تمثل مركزاً رئيسياً للعمليات العسكرية التي انطلقت منها حملات متكررة نحو مناطق جنوب الإقليم وغربه وشماله.
واعتبر أن أي مقاربة متوازنة لحماية المدنيين، تقتضي أخذ هذه الوقائع في الاعتبار، والنظر إلى مصادر التهديد والمعاناة الإنسانية كافة، وعدم حصر الاهتمام الدولي في جانب واحد من النزاع دون غيره.
فرص سيطرة" الدعم السريع" على مدينة الأُبيّضفي هذا الصدد، يقول المحلل العسكري حسن إبراهيم، لـ" العربي الجديد"، إنّ معركة الأُبيّض ليست عادية، ونتائجها لن تشبه نتائج معركة مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، معتبراً أن الظروف تتشابه فقط في ما يخص استراتيجية" الدعم السريع" في حصار المدن، وقطع طرق الإمداد العسكري والتجاري عنها، وقصفها المستمر بالمدافع والطائرات المسيّرة، مع تعمّد استهداف محطات الوقود والكهرباء لإشعال الحرائق الضخمة، وتخويف السكان، ودفعهم للفرار من المدينة للتخلص من عبء وجود المدنيين، الذين يحذر المجتمع الدولي من استهدافهم.
ويعتبر أن هذا الأسلوب استخدمته" الدعم السريع" في الفاشر، بالحديث عن خلو المدينة من المدنيين، رغم وجود الآلاف الذي رفضوا المغادرة، أو فشلوا في ذلك بسبب الحصار الذي تفرضه" الدعم" نفسها.
محلل عسكري: " الدعم السريع" لن تستطيع السيطرة على الأبيض بالقوة، إلا إذا أراد الجيش التخلي عن المدينة والانسحاب منهاويؤكد إبراهيم أن الأُبيّض تقع في موقع مختلف تماماً عن الفاشر، إذ تقع في منطقة النفوذ العسكري للجيش، وتضم قاعدة عسكرية ضخمة ومتقدمة، كما أنها ليست معزولة عن بقية الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش جنوباً وشمالاً وشرقاً، بخلاف الوضع في الفاشر التي كانت في وسط منطقة معادية بالكامل، وتحت سيطرة" الدعم السريع" من كل الاتجاهات.
ويرى إبراهيم أن" الدعم السريع" لن تستطيع السيطرة على الأُبيّض بالقوة، إلا إذا أراد الجيش التخلي عن المدينة والانسحاب منها.
ويشير إلى أن سيطرة" الدعم السريع" على الأُبيّض، تعني تهديداً كبيراً لجميع الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش شرقاً وشمالاً، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، حيث في هذه الحالة، ستكسب مساحة سيطرة واسعة في ولاية شمال كردفان، ستشكل من خلالها تهديداً مباشراً لولاية النيل الأبيض إلى الشرق، والعاصمة الخرطوم إلى الشمال الشرقي، ويمكنها من هناك تهديد حتى الولاية الشمالية في أقصى الشمال.
ويوضح أن أكبر مكسب ستحصل عليه" الدعم السريع" من السيطرة على الأُبيّض، هو تأمين ولاية غرب كردفان المجاورة من تقدّم الجيش، وبموجب ذلك، تكون قد صنعت حاجز صدّ عن إقليم دارفور غرباً، وهو ما يبدو أنها تخطط له، لكنه لن يكون سهلاً، وستتعرض لخسائر كبيرة في سبيل ذلك.
بدوره، يرى المحلل السياسي صلاح مصطفى، أن معارك شمال كردفان ذات أهمية كبيرة للغاية لكل من الجيش و" الدعم السريع"، لأن السيطرة على الطرق التي تربط الأُبيّض بولاية النيل الأبيض، وولاية العاصمة الخرطوم، ستعمل على تغيير ميزان الحرب بصورة كاملة، انطلاقاً من ولاية شمال كردفان، ذات الموقع الاستراتيجي جنوب وسط البلاد.
ويضيف لـ" العربي الجديد"، أن الجيش تمكّن من تحييد المسيّرات الاستراتيجية التي ظلت تهاجم المدينة طوال الشهر الماضي، وأسقط عدداً منها، لافتاً إلى أن الأُبيّض ليست صيداً سهلاً كما تعتقد مليشيا" الدعم السريع"، وسوف تقضي المعارك في شمال كردفان على ما تبقى من قواتها إذا استمرت في إرسال المزيد من المقاتلين، قدوماً من دارفور.
ويعتبر مصطفى أنّ هزيمة" الدعم السريع" في شمال كردفان ستخلق واقعاً عسكرياً جديداً في الولايات المجاورة، وهي غرب وجنوب كردفان، يمتدّ تأثيره إلى ولايات دارفور غرباً، حيث معاقل" الدعم السريع"، والتي ستكون الوجهة القادمة للجيش، لافتاً إلى أنّ طبيعة الأرض بولاية شمال كردفان مكشوفة في معظمها، مما يصعّب تحرك" الدعم السريع" بقوات برية نحو الأُبيّض، في ظل التفوق الجوي للجيش، وسقوط عدد من قادة المجموعات التابعة للمليشيا خلال الفترة الماضية، وهو ما يؤثر بدوره على معنويات الجنود وإعادة تجميع القوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك