أثارت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح مقرّ القيادة الاستراتيجية" الأوكتاغون" بالعاصمة الإدارية، السبت الماضي، والتي قال فيها إنّ مصر" خسرت 450 مليار دولار" بسبب أحداث ثورة عام 2011، مؤكداً أنّ" الدولة ما زالت تدفع ثمن تلك السنوات حتى اليوم"، جدلاً واسعاً بين الاقتصاديين والنخبة السياسية.
ورأى خبراء تحدثوا لـ" العربي الجديد" أنّ الرئيس لم يكن يستعيد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير فحسب، بل طرح رقماً ضخماً باعتباره أحد أبرز مبرّرات إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة ونقل مؤسسات الحكم خارج القاهرة التاريخية، رابطاً بين أحداث يناير وما أعقبها من حرب على الإرهاب، وما تكبدته الدولة من خسائر اقتصادية وبشرية.
وقال أمين تحالف التيار المدني، أحمد بهاء الدين شعبان، إن الرقم الذي طرحه الرئيس يثير تساؤلاً اقتصادياً يتجاوز الجدل السياسي، داعياً مؤسسة الرئاسة إلى توضيح الأسس التي استندت إليها في احتساب هذا الرقم.
وتساءل: هل يقصد الرئيس انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، أم خسائر الاستثمار الأجنبي والسياحة، أم تكلفة الحرب على الإرهاب، أم الزيادة في الدين العام، أم أنه يمثل حصيلة تراكمية لمجموعة من الخسائر الاقتصادية على مدى خمسة عشر عاماً؟وأوضح شعبان، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بسيطة، لأنّ الاقتصاد المصري لم يتوقف عند عام 2011، ولم تنته قصته في 30 يونيو/حزيران 2013 أو مع انتخاب السيسي رئيساً في عام 2014.
فمنذ ذلك الحين دخلت البلاد مرحلة مختلفة من السياسات الاقتصادية، شملت تحرير سعر الصرف، وتنفيذ أربعة برامج متتالية مع صندوق النقد الدولي، والتوسّع في الاقتراض الخارجي، إلى جانب إطلاق مشروعات بنية أساسية ضخمة.
وأضاف أن الاقتصاد المصري تعرض لاحقاً لسلسلة من الصدمات الخارجية، بدأت بجائحة كوفيد-19، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، فالعدوان الإسرائيلي على غزة، واضطرابات البحر الأحمر، وأخيراً العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران، وهي عوامل أقرت الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي بأنها أثرت بصورة مباشرة في أداء الاقتصاد.
وأكد شعبان أن إعلان رئيس دولة خسارة بلاده 450 مليار دولار نتيجة حدث سياسي يفرض، قبل أي شيء، الكشف عن منهجية احتساب هذا الرقم، لأنّ الخسائر الاقتصادية لا تقاس بأرقام مجردة، وإنما وفق معايير محددة، تشمل انخفاض الناتج المحلي، وتراجع الاستثمارات، وكلفة الصراعات المسلحة، وتراجع قيمة العملة، والزيادة في الدين العام.
وأشار إلى أنه، حتّى الآن، لا توجد في البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري أو وزارة التخطيط وثيقة تتضمن تقديراً مباشراً يفيد بأن ثورة يناير كلفت مصر 450 مليار دولار، بينما تنشر الجهات الرسمية سلاسل زمنية تفصيلية للناتج المحلي، وسعر الصرف، والدين الخارجي، والاحتياطيات، وغيرها من المؤشرات التي تسمح بإعادة تتبع المسار الاقتصادي عاماً بعد عام.
وشدد على أنه لا يوجد خلاف حول أن الفترة الممتدة بين عامَي 2011 و2014 كانت من أصعب المراحل التي مر بها الاقتصاد المصري، إذ تراجعت إيرادات السياحة، وانخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعرض الاحتياطي من النقد الأجنبي لضغوط كبيرة، فيما تباطأت معدلات النمو وارتفعت احتياجات التمويل الحكومي، وهي تطورات توثقها بيانات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي.
لكنه أكد أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بتلك السنوات وحدها، وإنما بما أعقبها، إذ دخل الاقتصاد المصري منذ عام 2014 مرحلة جديدة اتسمت بالتوسع في المشروعات القومية، وتحرير سعر الصرف، وتنفيذ برامج إصلاح وتمويل مع صندوق النقد الدولي، متسائلاً: هل يمكن إسناد حصيلة خمسة عشر عاماً من التحولات الاقتصادية إلى ثلاث سنوات فقط من الاضطراب السياسي، بينما تتداخل في تشكيل المسار الاقتصادي عوامل وسياسات وصدمات لاحقة؟بدوره، رأى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن الحديث عن خسائر بلغت 450 مليار دولار بسبب ثورة 25 يناير يمثل رقماً مبالغاً فيه، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال السنوات الثلاث الأولى بعد الثورة، من 2010/2011 حتى 2012/2013، لم يتجاوز 750 مليار دولار، إذ بلغ 218.
3 مليار دولار في 2010/2011، و251.
4 مليار دولار في 2011/2012.
وقال الميرغني لـ" العربي الجديد": " نتمنى أن توضح الحكومة مكونات هذا الرقم وكيفية احتسابه"، موضحاً أن سعر صرف الدولار ظل عند نحو ستة جنيهات خلال السنوات الثلاث الأولى بعد الثورة، قبل أن يرتفع إلى سبعة جنيهات في يوليو/تموز 2013، ثم يتراجع مجدداً في الأشهر التالية.
وأضاف أن عجز الميزان التجاري بلغ 34.
1 مليار دولار في 2011/2012، قبل أن ينخفض إلى 31.
5 مليار دولار في 2012/2013، ثم يرتفع إلى نحو 51 مليار دولار في 2024/2025، بالتزامن مع وصول سعر صرف الدولار إلى نحو 50 جنيهاً.
وأكد أن تحميل ثورة يناير مسؤولية التدهور الاقتصادي الحالي يتجاهل المتغيّرات والسياسات التي أعقبتها، متسائلاً: كيف يمكن اعتبار الثورة سبباً في ارتفاع الدين المحلي من 967 مليار جنيه في يونيو/حزيران 2011 إلى 14.
9 تريليون جنيه في 2024/2025، أو زيادة الدين الخارجي من 34.
9 مليار دولار إلى 161.
1 مليار دولار، في ظل تغير سعر صرف الدولار من ستة جنيهات إلى نحو 50 جنيهاً؟وأضاف: " هل كانت ثورة يناير وراء بيع أصول الدولة وأراضيها ومرافقها، أم أن ذلك جاء في إطار السياسات الاقتصادية وبرامج صندوق النقد الدولي؟ وهل كانت الأولوية لبناء العاصمة الإدارية والمونوريل والقطار الكهربائي السريع، أم لتنمية الصناعة والزراعة؟ وهل يمكن للاقتصاد أن يعتمد على التوسع في العقارات والمراكز التجارية، أم أن التنمية المستدامة تقوم على التصنيع والإنتاج الزراعي؟ كما أن تراجع الاكتفاء الذاتي من الغذاء والاعتماد المتزايد على الخارج في مستلزمات الإنتاج يرتبط بالسياسات الاقتصادية أكثر من ارتباطه بأحداث وقعت قبل أكثر من عقد".
وشدّد الميرغني على ضرورة الابتعاد عن تحميل ثورة يناير مسؤولية جميع الأزمات الاقتصادية، والبحث في الأسباب الحقيقية للتحديات الراهنة، وأضاف أن رقم 450 مليار دولار يعادل أكثر من ضعفي الناتج المحلي المصري بالدولار في بعض سنوات العقد الماضي، ويقترب من ثلاثة أمثال رصيد الدين الخارجي الحالي، ما يجعل من الضروري الإعلان عن منهجية واضحة لاحتسابه، وتحديد ما إذا كان يشمل خسائر الإنتاج، أو الإيرادات الضائعة، أو تكلفة الاقتراض، أو مكافحة الإرهاب، أو يجمع بين هذه العناصر وفق أسس محاسبية معلنة.
وفي سياق متصل، تظهر الأرقام الرسمية للبنك المركزي أن الاقتصاد المصري لم يتحرك في خط مستقيم منذ عام 2011، بل مر بخمس محطات رئيسية، تغيّرت خلالها طبيعة التحديات ومصادر الضغوط بصورة متتابعة.
ففي المرحلة الأولى، الممتدة من عام 2011 حتى منتصف عام 2014، انعكس الاضطراب السياسي سريعاً على المؤشرات الاقتصادية، إذ تراجع معدل النمو إلى أقل من 4%، مقارنة بأكثر من 7% سنوياً قبل ثورة 25 يناير، نتيجة انخفاض إيرادات السياحة، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وهبوط الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى مستويات غير مسبوقة، كما اضطرت الدولة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض المحلي والدعم المالي من دول الخليج لتوفير احتياجاتها من النقد الأجنبي وتمويل عجز الموازنة.
وبنهاية هذه المرحلة، بلغ الدين الخارجي نحو 46 مليار دولار، بينما ظل سعر صرف الدولار أقل من ثمانية جنيهات، وهي مؤشرات تعكس أزمة سيولة ونقصاً في العملة الأجنبية أكثر مما تعكس أزمة مديونية خارجية.
وتشير تقارير البنك المركزي إلى أنه، مع استقرار مؤسسات الدولة، تبنت الحكومة برنامجاً اقتصادياً واسع النطاق، ارتكز على محورَين رئيسيَّين: تنفيذ استثمارات عامة ضخمة في البنية الأساسية والمدن الجديدة والطاقة والنقل، وإعادة هيكلة الاقتصاد عبر برنامج إصلاح اتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
وجاء القرار الأكثر تأثيراً في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عندما حررت الحكومة سعر صرف الجنيه.
ويظهر تراجع قيمة العملة إحدى أبرز الإشكاليات في تفسير الرقم الذي طرحه الرئيس، إذ إنّ قياس الاقتصاد بالدولار يجعل انخفاض سعر الصرف يؤدي تلقائياً إلى تراجع القيمة الدولارية للناتج، حتى مع استمرار نمو الاقتصاد الحقيقي.
ولذلك؛ فإن أي تقدير للخسائر يجب أن يميز بين الخسائر الناتجة عن انخفاض الإنتاج الحقيقي، وتلك الناجمة عن إعادة تقييم العملة، حتى لا يجري الخلط بين الأثرين.
وفي الوقت نفسه، بدأ الدين الخارجي في الارتفاع بوتيرة متسارعة.
ويذكر أستاذ اقتصاد بجامعة عين شمس، محمد العراقي لـ" العربي الجديد"، أنه وفقاً لبيانات البنك المركزي، ارتفع الدين الخارجي من نحو 46 مليار دولار قبل انتقال السلطة عام 2014 إلى أكثر من 160 مليار دولار بعد سنوات من تنفيذ برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، موضحاً أن هذا الارتفاع ارتبط بعوامل متداخلة، من بينها تمويل عجز الموازنة، وسد فجوة النقد الأجنبي، وتمويل مشروعات البنية الأساسية، والاقتراض من المؤسسات الدولية، وإصدار السندات الدولية، وليس بعامل واحد منفرد.
ثم جاءت الصدمات الخارجية لتضيف طبقة جديدة من التعقيد.
ففي عام 2020، عطلت جائحة كوفيد-19 جانباً كبيراً من النشاط الاقتصادي العالمي، وتراجعت السياحة، واضطربت سلاسل الإمداد.
وبعدها بعامين، أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وخروج استثمارات أجنبية من أسواق ناشئة عديدة، من بينها مصر، مع اتجاه البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة، كما انعكست الحرب على غزة واضطرابات البحر الأحمر بصورة مباشرة على إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.
ويؤكد العراقي أنّ هذه المحطات تكشف حقيقة أساسية، وهي أنّ الاقتصاد المصري لم يواجه أزمة واحدة امتدت خمسة عشر عاماً، وإنما سلسلة من الأزمات المتعاقبة، لكل منها أسبابها وتداعياتها، وتداخلت فيها آثار الاضطراب السياسي مع نتائج السياسات الاقتصادية والصدمات العالمية.
ويتساءل: لماذا لا تتوافر بيانات رسمية تمكن الباحثين من تتبع خسارة تبلغ 450 مليار دولار يمكن نسبتها إلى أحداث ثورة يناير؟ مؤكداً أنه لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال قبل تحديد المقصود بكلمة" الخسارة"، إذ يوجد فارق جوهري بين انخفاض الناتج المحلي، وخسارة الإيرادات، وزيادة الدين، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع قيمة العملة، وفقدان فرص الاستثمار، ولكل مؤشر منها منهج مختلف في القياس، ولا يجوز جمعها في رقم واحد إلّا وفق منهج محاسبي معلن يمنع احتساب الأثر نفسه أكثر من مرة.
ويضرب مثالاً على ذلك، بأنه إذا أدى تراجع السياحة إلى انخفاض حصيلة النقد الأجنبي، ثم لجأت الدولة إلى الاقتراض لتعويض هذا النقص، فلا يجوز اعتبار قيمة القرض خسارة مستقلة؛ لأنه يمثل وسيلة تمويل لتغطية أثر سابق، وليس أثراً اقتصادياً جديداً.
وبالمثل، فإنّ انخفاض قيمة الجنيه لا يعني أن الاقتصاد خسر الفارق بين السعر القديم والجديد للدولار، لأن تغير سعر الصرف يعيد تقييم الأصول والالتزامات، ولا يعبر بمفرده عن تراجع الإنتاج الحقيقي.
ويخلص إلى أن البيانات الرسمية تؤكد أن الاقتصاد المصري تكبد بالفعل خسائر كبيرة خلال السنوات الأولى بعد ثورة يناير، تمثلت في تباطؤ النمو، وتراجع السياحة والاستثمار، وانخفاض الاحتياطي من النقد الأجنبي، وارتفاع عجز الموازنة.
غير أنّ القسم الأكبر من التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد عام 2014 ارتبط بعوامل وسياسات لاحقة، وهو ما يجعل تفسير الرقم الذي طرحه الرئيس يتطلب إعلان المنهجية التي استند إليها، حتى يتمكن الباحثون والخبراء والرأي العام من تقييمه على أسس علمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك