اعتبرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن الحملة الواسعة التي تشهدها العراق لمكافحة الفساد تمثل أول اختبار حقيقي لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، مؤكدة أن نتائجها لن تحدد مصير حكومته فحسب، بل قد تعيد رسم موازين القوى داخل النظام السياسي العراقي الذي تشكل بعد عام 2003.
وأوضحت المجلة، في تحليل موسع، أن الحكومة العراقية تخوض واحدة من أكبر حملات ملاحقة الفساد في تاريخ البلاد، وسط ترقب داخلي ودولي لمعرفة ما إذا كانت هذه الإجراءات ستتحول إلى إصلاح مؤسسي دائم، أم ستلقى المصير ذاته الذي انتهت إليه محاولات الحكومات السابقة.
ورأت أن الزيدي يسعى منذ توليه رئاسة الوزراء إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على فرض القانون واستعادة الأموال المنهوبة، مستفيداً من الغضب الشعبي المتراكم تجاه الفساد، إلى جانب الضغوط المحلية والدولية المطالبة بإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون.
وأشار التقرير إلى أن السلطات العراقية بثّت منذ أواخر حزيران الماضي مشاهد لعمليات دهم نفذتها أجهزة أمنية بحق مسؤولين ونواب ورجال أعمال، أسفرت عن ضبط ملايين الدولارات وكميات كبيرة من الذهب والأسلحة، بعضها كان مخبأ داخل الجدران أو مدفوناً تحت الأرض، في مشاهد عكست حجم الأموال المتداولة خارج الأطر القانونية.
وأضافت المجلة أن مجلس القضاء الأعلى أعلن ضبط أكثر من 106 ملايين دولار من الأموال المختلسة، أعقبتها عمليات ضبط أخرى، فيما لا تزال القيمة الإجمالية للأموال المصادرة غير معلنة حتى الآن.
ونقلت عن المستشار القانوني لرئيس الوزراء، القاضي منير حداد، تقديره أن العراق خسر منذ عام 2003 ما يقارب تريليوني دولار بسبب الفساد، وهو رقم يعادل نحو خمسة عشر عاماً من الإنفاق الحكومي.
ورغم تسجيل العراق أفضل ترتيب له منذ أكثر من عقد على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإن المجلة أكدت أن الفساد لا يزال يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة.
واستعرض التقرير تجارب الحكومات السابقة، بدءاً من كشف حكومة حيدر العبادي ملف “الجنود الفضائيين”، مروراً بحملات مصطفى الكاظمي، ووصولاً إلى فتح حكومة محمد شياع السوداني ملف “سرقة القرن”، مشيراً إلى أن جميع تلك المحاولات لم تُحدث تحولاً جذرياً في بنية الفساد.
وبحسب التحليل، انطلقت الحملة الحالية بعد توقيف وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي قاد تعاونه مع المحققين إلى إصدار أوامر قبض بحق عشرات المسؤولين والنواب في قضايا تتعلق بعمولات غير مشروعة وغسل الأموال.
وفي المقابل، لفتت المجلة إلى أن اتساع الاعتقالات أثار تساؤلات سياسية، بعدما تركزت غالبية التحقيقات على شخصيات مرتبطة بحلفاء رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وقيادات في تحالف عزم، ما فتح باب الجدل حول ما إذا كانت الحملة تستهدف اجتثاث الفساد بالكامل أم إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك