وجدت الباحثة والصحافية المصرية سهير عبد الحميد نفسها وسط نزاع حول أحد كتبها، انتهى بحكم قضائي، اضطرت معه وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي إلى الاستقالة.
هذه التطورات السريعة دفعت باسم سهير إلى الواجهة بعد معركة قضائية رافقتها سجالات إعلامية حادة، وفتحت باباً أوسع للتأمل في تجربتها القائمة على تقديم شخصيات ووقائع تاريخية قد تبدو هامشية، لكنها ذات دلالة خاصة في الثقافة المصرية.
مثل الكاتبة وسيدة المجتمع قوت القلوب الدمرداشية، أو تتبعها لعدد من الأسماء غير المعروفة تاريخياً في أسرة محمد علي.
بدأت عبد الحميد الكتابة من منطقة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى التوثيق الكلاسيكي، لكنها سرعان ما تحولت إلى مدخل أوسع لقراءة التاريخ.
في كتابها الأول" قصور مصر" (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2020)، وثقت أكثر من خمسين قصراً في القاهرة والإسكندرية والمنصورة.
غير أن هذا المنحى التوثيقي كان خطوة أولى نحو تفكيك العلاقة بين المكان والذاكرة.
وهو ما يتضح أكثر في كتابها" إسكندرية من تاني" (الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2021)، حيث تنتقل عبد الحميد من التاريخ المعماري إلى التاريخ الحيّ، فتكتب عن المدينة المتوسطية المركبة من طبقات عبر ثلاث شرائح، هي الأولياء والأجانب وأولاد البلد.
وكيف ترك كل منهم بصمته على هذه المدينة حتى اليوم، عبر أسماء الأحياء والضواحي والأضرحة والحكايات المتداولة بين الناس، في محاولة للإمساك بما تسميه روح المدينة.
تمزج في مؤلفاتها بين البحث التاريخي والتجربة الذاتيةويظهر هنا وعي مبكر لديها بأهمية إعادة الكتابة خارج السرديات الرسمية، عبر استعادة ما هو هامشي أو منسي.
ويتعمق هذا التوجه في كتابها" على عتبة المقام" (الرواق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2022)، الذي يفتح باباً مختلفاً على التاريخ الروحي والاجتماعي عبر تتبع ظواهر التدين الشعبي، والتداخل الإسلامي والمسيحي، وصولاً إلى جذور أقدم تمتد إلى مصر القديمة.
ولعلّ ما يميز هذه المرحلة من مشروعها هو الانتقال التدريجي من توثيق المكان إلى تأويل الذاكرة، ومن السرد الخطي المغلق إلى التعامل مع التاريخ في تجربة مفتوحة قابلة لإعادة القراءة.
كما أن اعتمادها على الحكي، والمزج بين البحث والتجربة الذاتية، منح كتابتها طابعاً وسيطاً بين الصحافة الثقافية والبحث المنهجي.
لاحقاً بدأت عبد الحميد الاقتراب أكثر من المناطق الرمادية في التاريخ، والانحياز إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة، والبحث في ما أهمله المؤرخون.
وهي اختيارات ستقودها لاحقاً إلى مناطق أكثر حساسية، تصبح معها العودة إلى الماضي اشتباكاً مع الحاضر أيضاً.
من القصور إلى السلطة والهويةإذا كانت المرحلة الأولى من مشروع سهير عبد الحميد قد انشغلت بالمكان والذاكرة، فإن المرحلة التالية تمثل انتقالاً واضحاً نحو الاشتباك المباشر مع التاريخ الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في ما يتعلق بالأسرة العلوية وتركيبة المجتمع المصري قبل وصول الضباط الأحرار إلى الحكم عام 1952.
في كتابها" سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" (دار ريشة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2022)، تتوقف عند شخصية" قوت القلوب الدمرداشية" وهي سيدة مجتمع وكاتبة مصرية تنتمي لعائلة من المتصوفة، وكانت وثيقة الصلة بالوسط الأدبي المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتركت خلفها عدداً من المؤلفات المكتوبة باللغة الفرنسية.
هذا التناقض الداخلي لشخصية قوت القلوب، بين تربية شرقية محافظة وتأثر بثقافة أوروبية، هو ما لفت انتباه سهير عبد الحميد إليها، لأنه يكشف تحولات مجتمع بأكمله.
تنحاز إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي أهملها المؤرخونيتسع هذا التوجّه في كتاب" سلسال الباشا.
لأسرار المخفية لأمراء وأميرات الأسرة العلوية" (الرواق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023)، حيث تتبعت سِيَر أكثر من خمسين من أمراء أسرة محمد علي وأميراتها ممن ابتعدوا عن الأضواء، رغم أدوارهم المؤثرة في مجالات الثقافة والعلم والعمل العام.
يضم الكتاب نماذج مثل الأميرة قدرية حسين الأديبة، وشقيقتها الرسامة سميحة حسين، والأمير إسماعيل داود الذي أسهم في تأسيس الحركة الرياضية، والأمير حيدر فاضل مترجم القرآن إلى الفرنسية، إلى جانب الأمير عمر طوسون صاحب مبادرة تمثيل مصر في مؤتمر فرساي، والأمير عزيز حسن الذي نُفي بسبب مواقفه الوطنية، والأميرة فاطمة إسماعيل التي ارتبط اسمها بتأسيس جامعة القاهرة.
فالتاريخ كما تؤكد الكاتبة يمكن قراءته أيضاً عبر الهوامش العائلية والإنسانية، حيث تتشكل دراما لا تقل أهمية عما جرى في دوائر السلطة.
لكن التحول الأكثر وضوحاً يظهر سريعاً في كتابيها" ناحوم أفندي.
أسرار الحاخام الأخير ليهود مصر" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2024) و" يهود الظاهر.
مسعودة وليشع ومرزوق" (2025) الصادر عن الدار نفسها، حيث تتعرض لمنطقة شديدة الحساسية، والمتمثلة في تاريخ يهود مصر.
وقد فضلت الكاتبة التعامل مع هذا الملف من زاوية السرد الاجتماعي، واستعادة تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات المتشابكة بين الطوائف اليهودية من ناحية، وبين المواطنة والمشروع الصهيوني خلال النصف الأول من القرن العشرين من ناحية أخرى.
في كتابها الصادر أخيراً" بكوات وباشوات" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2026)، تذهب سهير عبد الحميد أبعد من ذلك، عبر مراجعة نقدية للصورة التي رسختها سرديات ما بعد 23 يوليو عن الطبقة الأرستقراطية، معتبرة أن هذه الصورة لم تكن دائماً دقيقة، وأنها أسهمت في تزييف الوعي الجمعي.
هنا يصبح مشروعها أكثر وضوحاً في سعيه إلى استعادة ما تم تجاهله، وتفكيك ما ثُبت حقائقَ نهائية.
ما يجمع هذه الكتب هو السعي لكسر الثنائية الحادة في قراءة التاريخ، واستبدالها برؤية أكثر تعقيداً، تعترف بالتناقضات وتعيد الاعتبار للتفاصيل.
وهي رؤية تضع الكاتبة في موقع حساس، لأنها تقترب من مناطق لا تزال مشحونة سياسياً وثقافياً، وتفتح أسئلة لم تُحسم بعد.
تحولت قضية انتحال كتاب" سيدة القصر" إلى لحظة كاشفة لطبيعة هذا النوع من الكتابة، الذي تتقاطع فيه حدود الملكية الفكرية مع طبيعة التاريخ نفسه بما هو مادة قابلة لإعادة التأويل.
فالتاريخ ملك للجميع، لكنه في الوقت نفسه يخضع لجهد فردي في جمعه وصوغه وتقديمه.
ومن هنا، يمكن قراءة هذه المعركة كونها جزءاً من مسار أوسع، يتجاوز الواقعة نفسها، ليطرح أسئلة تتعلق بالكتابة والبحث والاقتباس وحدودها.
وهي أسئلة لا تخص سهير عبد الحميد وحدها، إذ تمس قطاعاً واسعاً من الكتّاب الذين يشتغلون على التاريخ خارج الأطر الأكاديمية الصارمة، حيث تختلط حرية السرد بضرورة الدقة، ويتداخل الإبداع مع التوثيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك