في 24 فبراير/ شباط 1944، اقتحمت الغستابو (البوليس السري النازي) منزل ماكس جاكوب في بلدة سان بونوا سور لوار جنوب باريس.
كان الشاعر الفرنسي قد أمضى أكثر من ثلاثة عقود يعيد رسم حياته على نحو مختلف، تحول من اليهودية إلى الكاثوليكية بعد تجربة روحية رأى فيها المسيح على جدار غرفته.
ترك صخب باريس إلى عزلة أشبه بحياة الرهبنة، معتكفاً على كتابة الشِّعر، السرد، الرسائل، والتأملات الدينية.
غير أنّ ذلك التحوّل الروحي لم يكن يعني شيئاً للمحتل النازي الذي أجبر أحد أكثر الأصوات تأثيراً في الحداثة الفرنسية وأحد صنّاع مناخها الفني والفكري على خياطة نجمة قماشية صفراء إلى ملابسه، كُتب في وسطها" Jude" (أي" يهودي" بالألمانية) تمهيداً لترحيله إلى معسكرات الاعتقال والإبادة.
وما هي إلّا أيام قليلة حتى توفي في معتقل درانسي إثر إصابته بالتهاب رئوي؛ في واحدة من أكثر صور القرن العشرين فظاعة.
ولم تشفع له تلك المحاولات المتأخرة التي قام بها جان كوكتو وساشا غيتري من أجل الإفراج عنه.
ماكس جاكوب المولود في 12 يوليو/ تموز عام 1876 في كيمبير، في أقصى غرب فرنسا، نشر في بداياته حكايات للأطفال، منها" قصة الملك كابول الأول والطاهي الصغير غوفان"، و" عملاق الشمس" قبل أن يدفعه الفقر إلى باريس التي كانت، مطلع القرن العشرين، تعيش ثورة فنية غير مسبوقة.
قضى بالعاصمة الفرنسية سنواته الأولى متقلباً في وظائف متواضعة؛ عمل في متجر، وكتب في الصحف، وأعطى دروساً خصوصية.
أدخل جاكوب إلى القصيدة الفرنسية روح الدعابة واليومياتالتقى بيكاسو الذي وصل لتوه من إسبانيا، فتوثقت صداقتهما.
قاسمه السكن، وساعده على تعلّم الفرنسية، كما عرّفه على غيوم أبولينير الذي سيصبح أحد أبرز منظري التكعيبية.
وتُعدُّ اللوحة التي أنجزها بيكاسو لجاكوب في ربيع عام 1907 (والمحفوظة اليوم في متحف لودفيغ فوروم بمدينة آخن الألمانية) دليلاً على عمق تلك الصداقة، وهي واحدة من بين العديد من اللوحات الشخصية التي رسمها أعضاء الوسط الفني الباريسي قبل الحرب للشاعر، ومن بينهم خوان غريس، ولويس ماركوسيس، وأميديو موديلياني.
وقد عاش جاكوب بين هؤلاء الرسامين في حي مونمارتر داخل مبنى باتو-لافوار الشهير، وهو مجمّع محترفات احتضن عدداً كبيراً من فناني الطليعة والمثقفين.
رغم ذلك ظل جاكوب أحد أكثر وجوه الحداثة الفرنسية استعصاء على التصنيف.
فقد عاش في قلب الطليعة الباريسية شاعراً ورساماً وناقداً، لكنه لم يعلن انتماءه إلى أي تيار.
لم يندرج تماماً في التكعيبية، ولم يكن سريالياً، كما لم يواصل تقاليد الرمزية على نحو مباشر.
ظل يتحرّك بين هذه العوالم، يستعير منها جميعاً، من دون أن يستقر في أي منها.
ولهذا رأى الناقد سيدني ليفي أن هامشية جاكوب ليست علامة نقص، وإنما موقع مميز يقف على الحدود الفاصلة بين التيارات الجمالية المختلفة، ويحتفظ بآثارها كلّها، وهكذا أصبح العبور السمة الأبرز في مشروعه الأدبي.
ففي زمن كان الشِّعر الفرنسي لا يزال يحمل شيئاً من وقار الرمزية، أدخل جاكوب إلى القصيدة روح الدعابة، والحكاية العابرة، واليومي، من دون أن يفقدها عمقها التأملي.
في تجاورٍ فنيٍّ بدا فيه النص مخترقاً للحدود التقليدية التي تفصل بين الأجناس.
وفي هذا التماهي الذي ابتكر فيه شكلاً جديداً من الكتابة الشعرية يقوم على السرديات المتشظية، والتركيب اللغوي المفكك، مستلهماً المبادئ الجمالية للتكعيبية، ظل الأسلوب عند جاكوب هو الجوهر الذي يمنح العمل منطقه الداخلي وقوانينه الخاصة.
يجسد كتابه الأشهر" كوب النرد" هذا التصور بوضوح.
ومن زاوية النظر تلك، وجه نقداً لاذعاً إلى الطريقة التي فُهم بها إرث الشاعر آرثر رامبو، معتبراً أن الحرية الفنية التي تمنحها قصيدة النثر، لا تعني أبداً الفوضى.
في مقال نُشر عام 1919، يرى جان كوكتو في جاكوب واحداً من أولئك الفنانين المونمارتيين الذين ابتكروا، مع أبولينير واندريه سالمون وجورج براك وبابلو بيكاسو، " رفاق الشدة والمجد"، نوعاً من" البوهيميا الجديدة" في سنوات الحرب وما قبل الحرب، ويكتب: " لقد ازدروا الغنائية المتخيلة الخالصة والتشبيه المسطح، وسعوا إلى إيجاد توازن بين هذين الإفراطين.
فأدقّ تفصيل يقع في متناول أيديهم يُلتقط ويُنقل إلى مجال يكتسب فيه مظهراً غير متوقع، من دون أن يفقد شيئاً من قوته الموضوعية".
يخص كوكتو داخل هذه الجماعة" ثالوثاً" من العباقرة: أبولينير من جهة، وماكس جاكوب من جهة أخرى، " وشخص بيكاسو الذي ينبغي أن يُرسم إلى يمينه ويساره"، في مقال آخر نشره عام 1952.
ولا يبدو هذا التصنيف بعيداً عن تجربة جاكوب نفسها، إذ ظل طوال مسيرته يبحث عن توازن بين المخيلة والواقع، وبين الحرية والانضباط، وهو ما سيغدو السمة الأبرز في مشروعه الشعري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك