في صباح 11 يوليو 1882، دوّت مدافع الأسطول البريطاني أمام سواحل الإسكندرية، لتبدأ واحدة من أخطر المحطات في التاريخ المصري الحديث.
فخلال ساعات قليلة، تحولت المدينة إلى ساحة حرب بعد قصف عنيف دمّر قلاعها وأحيائها، ومهّد الطريق للاحتلال البريطاني الذي استمر أكثر من سبعين عامًا.
لكن الشرارة التي سبقت القصف لم تكن معركة عسكرية، بل شجارًا محدودًا في أحد شوارع الإسكندرية تحول إلى أزمة دولية استغلتها بريطانيا ذريعة للتدخل العسكري.
بدأت الأحداث في 11 يونيو 1882 عندما نشب خلاف بين مالطي من رعايا بريطانيا وصاحب حمار مصري يُدعى السيد العجان، بعد أن رفض المالطي دفع أجرته كاملة، ثم استل سكينًا وطعن الرجل عدة طعنات أودت بحياته.
وسرعان ما تجمع أهالي القتيل لمحاولة القبض على الجاني، الذي فر إلى أحد المنازل، بينما بدأ بعض المالطيين واليونانيين بإطلاق النار من النوافذ والأسطح على المصريين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، لتنفجر أعمال عنف واسعة بين الأهالي والأوروبيين.
وامتدت الاشتباكات إلى عدد من شوارع الإسكندرية، حيث هاجم الغاضبون بعض المتاجر والمحال، بينما تبادل الطرفان إطلاق النار، وأسفرت الأحداث عن مقتل 49 شخصًا، بينهم 38 أجنبيًا، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى.
وجدت الحكومة البريطانية في اضطرابات الإسكندرية فرصة لتصعيد الأزمة، وبدأت تتهم الحكومة المصرية بعدم القدرة على حماية الأجانب، رغم أن جذور الأزمة كانت تعود إلى تصاعد التوتر السياسي بين بريطانيا والحركة الوطنية بقيادة أحمد عرابي.
وفي الوقت نفسه، كانت السلطات المصرية تعمل على تدعيم قلاع الإسكندرية تحسبًا لأي هجوم، وهو ما اعتبرته بريطانيا تهديدًا لأسطولها الراسي أمام المدينة.
في 10 يوليو 1882، وجه الأميرال البريطاني بوشامب سيمور إنذارًا إلى الحكومة المصرية طالب فيه بوقف أعمال تحصين القلاع، ونزع المدافع الساحلية، وهو ما رفضته الحكومة المصرية باعتباره مساسًا بسيادة البلاد.
ولم تنتظر بريطانيا طويلًا، فمع فجر اليوم التالي بدأت تنفيذ تهديدها.
في الساعة السابعة من صباح 11 يوليو، أطلقت البارجة البريطانية ألكسندرا أولى قذائفها على طابية الإسبتالية، لتتبعها بقية السفن الحربية بقصف مركز استهدف قلاع الإسكندرية والتحصينات الساحلية.
ورغم رد المدفعية المصرية، فإن الفارق الكبير في التسليح والدقة حسم المعركة سريعًا لصالح الأسطول البريطاني، إذ كانت المدافع البريطانية أكثر حداثة وقوة، بينما عانت القلاع المصرية من ضعف التسليح وسوء التجهيز، فسقط كثير من قذائفها في البحر قبل أن تصل إلى أهدافها.
واستمر القصف لساعات، ثم تواصل في اليوم التالي، مخلّفًا دمارًا واسعًا في المدينة، قبل أن تضطر الإسكندرية إلى رفع الرايات البيضاء.
عقب سقوط الإسكندرية، انسحب وزير الحربية أحمد عرابي بقواته إلى منطقة كفر الدوار، حيث بدأ إعادة تنظيم الجيش استعدادًا لمواجهة التقدم البريطاني نحو الداخل المصري.
وفي المقابل، انحاز الخديوي توفيق إلى الجانب البريطاني، واستقبل قائد الأسطول في قصر الرمل، قبل أن ينتقل إلى قصر رأس التين تحت حماية القوات البريطانية، في موقف زاد الانقسام السياسي داخل البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك