Independent عربية - ماذا يخبئ غياب مجتبى خامنئي عن جنازة والده؟ قناة القاهرة الإخبارية - سباق مع الزمن.. كواليس الغرف المغلقة لإنقاذ الاتفاق الأمريكي الإيراني قناة الجزيرة مباشر - Intensive Consultations in Muscat to De-escalate Tensions Between Washington and Tehran Independent عربية - باكستان تتحسس خطاها بين ملفي الإرهاب وحرب إيران الجزيرة نت - بنك قطر الوطني: تداعيات حرب إيران ستطيل أمد أزمة الطاقة في آسيا Independent عربية - لماذا لا يستطيع ميسي قيادة الأرجنتين لإحراز كأس العالم بمفرده؟ Independent عربية - لماذا غادرت "إير فورس 1" الجديدة أنقرة من دون ترمب؟ الجزيرة نت - "احتجزونا ببنادق أمريكية".. مستوطنون يحاصرون نائبا أمريكيا في الضفة Independent عربية - السودان وجواره... حرب الحسابات وإعادة ترميم العلاقات Independent عربية - خامنئي يتعهد بالانتقام وترمب يهدد بإبادة إيران حال اغتياله
عامة

طقوس الخشبة الأولى: قراءة في مشاريع تخرج قسم المسرح بجامعة الإسكندرية

جريدة المساء
جريدة المساء منذ 1 ساعة
1

على هذه الخشبة، لا يكذب الممثل إلا ليصدق، ولا يموت إلا ليقوم من جديد”. هكذا يبدأ كل عام طقس التخرج في قسم المسرح بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية. إنها لحظة لا تشبه الامتحانات التقليدية، ربما هي أقرب إ...

على هذه الخشبة، لا يكذب الممثل إلا ليصدق، ولا يموت إلا ليقوم من جديد”.

هكذا يبدأ كل عام طقس التخرج في قسم المسرح بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية.

إنها لحظة لا تشبه الامتحانات التقليدية، ربما هي أقرب إلى “مخاض عسير” في رحم الأكاديميا، تدفع فيه الخشبة بأبنائها إلى فضاء الاحتراف، أو ربما إلى الهامش حيث ينتظرهم جمهورٌ مختلف ومسرحٌ لا يرحم.

أجلس في الصف الثاني، وسط دفء القاعة، وأتابع مشاريع تخرج تتنفس تحت أضواء كاشفة، وتحت مجهر نخبة من أساتذة كبار؛ العلامة د.

أبو الحسن سلام، ود.

جمال ياقوت، د.

رانيا إبراهيم، ود.

محمد عبد المنعم، د.

طارق عبد المنعم ود.

فهدة عرابي، والكاستينج دايركتور أحمد إسماعيل، في إطار خطة مهنية لربط الدراسة بسوق العمل بإشراف رئيس قسم المسرح د.

هاني أبو الحسن.

تباينت النصوص من إسبانيا (كاسونا وساستري)، إلى أمريكا (ألبي)، إلى سويسرا (فريش)، وصولاً إلى الكاتبة الإنجليزية كاترين هايس.

كأن الطلاب يقدمون مائدة مستديرة للقلق الإنساني المعاصر.

وسؤال واحد كان مُلِحّاً طوال هذه الليالي: كيف تتنفس هذه العروض على الخشبة أمامنا؟ وكيف تتحول مساحات الفراغ إلى دراما حقيقية؟“الأشجار تموت واقفة”.

أليخاندرو كاسونا وشعرية الوهم الضروريحملت ميسون محمد عبء البطولة بتحدٍ كبير؛ أن ترى طالبة في مقتبل العمر تجسد امرأة عجوز تتصدع ذاكرتها، هو مشهد يثير القلق والتساؤل في آنٍ واحد.

لاحظت أنها اعتمدت أداءً قائماً على التعبير الصوتي والإيماءة المقتصدة جداً، متجنبة -بوعي- المحاكاة السطحية التي غالباً ما تقع فيها الأعمال الطلابية.

وتمكنت من ضبط إيقاع العرض ككل.

التردد الذي سيطر على بعض اللحظات لم يكن عيباً، إنه في رأيي أحد تحديات الواقعية الشعرية: كيف نجمع بين الحقيقة النفسية للشخصية، والمسافة الجمالية التي تفرضها الرمزية؟ في بعض المشاهد، انتصرت الشاعرية، وفي أخرى طغى الإيهام الواقعي الثقيل.

رغم ذلك، نجح جاسر الفرن في توجيه الممثلين أصحاب الخبرة في واحدة من أولى تجاربه الإخراجية (محمد هاني، مازن شوكة، لورا عبده، أحمد علاء علي) لتوحيد الإيقاع العام، لكن سؤال الدراماتورجيا بقي معلقاً: هل الإعداد مجرد ترجمة وفية، أم ممارسة دراماتورجية تعيد إنتاج النص، تُفعل سلطة الرؤية في الزمن الراهن؟ الإعداد آثر السلامة، ومال إلى المحافظة لا المغامرة فربما كان يمكن خلق وصلة بصرية أو جسدية بين صناعة الوهم المسرحي وصناعة الأكاذيب في الواقع.

“الكمامة”: الجسد تحت الحصارفي عرض ألفونسو ساستري، انتقل مركز الثقل من الكلمة إلى الجسد.

في تلك الليلة، رأيت كيف تحول طلاب التمثيل (حازم صلاح، أحمد سمير، شادي محمد، سمعان رؤوف، رضوى أحمد، ياسر مجاهد، هدير طارق) بمساعدة المعيدة ماجي أحمد وخبرتها إلى كتلة جسدية متوترة دالة.

الكوريوجرافيا التي صممتها ميسون محمد منحت الأوفرتير طبقة تعبيرية عميقة؛ فبدا الأبناء المُكممون وكأنهم يرقصون رقصة الموت البطيئة، تتحرك أجسادهم كما تتحرك الأسماك في شبكة صيد.

“الجسد المكمم لا يصرخ بالفم، إنما يتشنج، يرتجف، يقاوم بتوتر أدوات التعبير وصمت النظرات، وهنا تكمن بلاغة القهر على الخشبة”.

غير أن السينوغرافيا الثابتة (لمعاذ مدحت) كانت بمثابة سيف ذي حدين.

في صمت القاعة، ظل التكوين السينوجرافي ثابتا دون تحولات ضوئية مناسبة، مما حمل الممثلين العبء بالكامل.

هذا كشف عن قدراتهم التمثيلية الجيدة وعن روح الفريق، لكنه حرم العرض من التحولات البصرية التي كانت ستجعل “الكمامة” كابوسا متصاعدا أمام الأعين.

غضب يواجه الجمهور مباشرة، دون أن يحتمي باستعارات بعيدة.

“قصة حديقة الحيوان”: هذيان الوحدة وصرخة الجسد المشتتعلى خشبة عرض إدوارد ألبي، لم يكتفِ الطالب الممتحَن بتقديم نص، وإنما أقام دراماتورجيا واعية عبر إعداد محمد السيد، الذي أنزل الوحدة الأمريكية العصابية إلى ساحة الهم الشرقي، عبر توظيف صوت محمود درويش كتعليق روحاني يصبغ المشهد بحزن الصحراء.

أمام هذا الاغتراب المزدوج، لم يكتفِ محمد شحاتة، الذي أدى دور جيري، بالكلمات، إنما صاغ وعيا سيميولوجيا بالجسد بالغ الدقة؛ مرتديا أفرول عمال متسخ وسط إضاءة زرقاء باردة تحاصر الخشبة، ممسكا بإطار خشبي فارغ أمام وجهه رمزا لانعدام الهوية، في لحظات الذكريات.

بينما يرقد الحبل الملقى على الأرض كموت مؤجل ينتظر أن يقتل به جيري على يد بيتر، الذي أداه الخريج مصطفى النجار، بدلا من سكين ألبي في النهاية.

فالجسد المتمرد لا يصرخ بالفم إنما يتشنج بالعضلات، هكذا جسد شحاتة الانكسار، متسائلا بجسده لا بصوته.

“أليس الجسد هو النص الآخر الذي يجب أن يُكتب بموازاة الحوار؟ ” إنه عرض وعيُه البصري يفوق إيقاعه الصوتي، وهو ما يبشر بوعي درامي حقيقي في مختبرات الإسكندرية الأكاديمية.

“لا داعي للقلق”: فريش وسخرية النارفي عرض ماكس فريش، شعرت ببرودة القاعة تنقلب إلى ضحكة ساخرة.

المخرج أكرم نجيب تبنى الأسلوب الملحمي وعبّر عن تغريب الجمهور؛ يُفتح باب المنزل على الصالة ويدخل الغرباء لبيت بيدرمان من وسط الجمهور ليقطع حبل الإيهام الذي كان يلف الجمهور.

في لقطة جسدية ذكية، رأيت الممثلين يتسلقون الطاولات ويتمدّدون بأقدامهم على المائدة، في مشهد واضح لخرق البروتوكول البورجوازي، مما أثار ضحك الحضور قبل أن يتحول إلى رعب صامت.

موسيقى محمد غنيم استُخدمت بوعي، كأنها تنقر على أعصاب الحدث فتقاطع استرساله، وهي تقنية تغريبية بسيطة لكنها فعالة.

ديكور دنيا عزيز وإضاءة أحمد طارق حولا المنزل لساحة من الظلال المرعبة على الجدران، ربما كان شبح كارثة وشيكة.

هذا العرض كان الأكثر وعياً بلعبة المسرح؛ استثمر إمكانيات الطلاب الممتحنين (محمد هاني، شريف طارق، مازن شوكة، لورا عبده، مريم محمد) بمساعدة واعية من الخريجة رضوى حسن، والمعيد محمد فريد، الذي أدى دور الدكتور بخفة ظل وبراعة لخلق فرجة ذكية.

كان العرض يهمس في أذن كل واحد منا جالساً: “ماذا لو كنا كلنا بيدرمان؟ ”، ويدعونا للضحك من أنفسنا قبل أن تحترق المدينة.

“مشاحنات”: أنثروبولوجيا الغرف المغلقةيوم الأحد ٢٨ يونيو، أول أيام موسم مشاريع التخرج كنت أتابع “مشاحنات” لكاترين هايس، وهي دراما غرف نسائية مغلقة، تتصارع فيها أختان على جسد أم تحتضر، بالمعنى الحرفي والمجازي.

ندى جمال ورضوى العبادي وقفتا وسط سينوغرافيا أحمد علاء علي، الذي جمع بين الإخراج والسينوغرافيا، وكانت الستائر الشفافة تنساب بينهما وتتلون بألوان متضادة؛ مساحة زرقاء باردة تقابلها مساحة حمراء ملتهبة، تعكس انفصامهما النفسي.

أما التصميم الصوتي لمصطفى عيد فقد كان صوتا دراميا موازيا لا يقل تأثيرا عن الممثلتين.

الأنفاس المتقطعة، وقرعات تشبه نبضات القلب، وأصوات الأجهزة الطبية، كلها حوّلت الصمت داخل القاعة إلى لغة نابضة بالمعاناة.

الكوريوجراف أحمد عبدالرحيم استلهم مسرح الجسد في لحظات تمهد الانفجار، محولاً الشجار الكلامي إلى حركات عنف كامن.

أكثر ما جذب انتباهي في ذلك العرض هو “تصالحه مع الصمت”؛ فالفراغ لم يُملأ بالحوار، وإنما بالأنفاس والنظرات المكسورة، وبالإسقاطات الضوئية التي تلاعبت بتضاد الألوان بين الأزرق البارد والأحمر الملتهب، فبدا الصمت المضاء بصرياً حاملاً وحده ثقل الانهيار النفسي داخل الغرفة المغلقة.

وهي شجاعة نادرة حقاً في عروض التخرج التي تخاف من لحظة السكون.

هذا العرض أكد أن “المسرح” لا يقف على الأبواب، إنما يتسلل عبر شقوق الغرف المغلقة حيث تُدار أقسى معارك الوجود الإنساني.

إشكالية الإشراف… بين سلطة السند وحرية التجريبلا يمكن النظر إلى هذه المشاريع بمعزل عن البيئة الأكاديمية التي احتضنتها.

فالخشبة، قبل أن يسكنها الممثلون، كانت مأهولة بأسئلة أساتذتها وتجاربهم، لا باعتبارهم سلطة تفرض رؤيتها، وإنما باعتبارهم شركاء في تشكيل الوعي المسرحي لدى الطلاب.

وقد أتاح الإشراف العام للأستاذ الدكتور أبو الحسن سلام مساحة فكرية رحبة، انفتحت فيها التجارب على مناهج نقدية وإخراجية متعددة من دون أن تنحصر في رؤية واحدة.

وربما كان هذا التعدد مصدر حيرة في البداية، لكنه تحول مع العروض إلى دافع حقيقي للبحث والتجريب، وصار التنوع جزءا من شخصية كل مشروع.

لم يسع القسم إلى تخريج طلاب يجيدون إرضاء أساتذتهم، وسعى في المقابل إلى تشجيعهم على بناء رؤاهم الخاصة والدفاع عنها.

لذلك لم يكن ما شاهدناه صراعا بين سلطة النص والأكاديميا والتجريب، وإنما مساحة تفاعل بين هذه العناصر جميعاً.

تجلّى ذلك في أكثر من عرض؛ ففي “مشاحنات” ظهر في تكوين بصري وصوتي متماسك، أما “قصة حديقة الحيوان” فقد قدمت محاولة واعية لتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة حية على الخشبة.

ولهذا لم تبدُ هذه العروض مجرد مشاريع تخرج أو امتحانات نهاية العام، وإنما بدت خطوات أولى لفنانين يحاولون طرح أسئلتهم الخاصة قبل البحث عن إجابات جاهزة.

وهذا، في تقديري، هو الجانب الذي يستحق أن يتوقف عنده النقد طويلاً، لأنه يكشف ملامح جيل مسرحي لا يزال في طور التشكل.

يحمل عنوان “الأشجار تموت واقفة” استعارة إنسانية مؤثرة عن الكرامة في مواجهة الفناء.

وبعد الليالي التي قضيتها في المسرح الصغير بمكتبة الإسكندرية، وجدتني أستعير هذه الصورة لأصف تجربة هؤلاء الشباب، فهم لا يقفون لأنهم بلغوا الكمال، إذ ما زالت تجربتهم في بدايتها، وإنما لأنهم اختاروا طريقا شاقا يعرفون منذ خطوته الأولى أنه لا يقدم وعوداً سهلة.

لم يلجؤوا إلى الاستسهال أو إلى النصوص التي تراهن على التأثير السريع، واختاروا أعمالا تحتاج إلى قراءة وتمرين ومجازفة.

ولا يخلو الأمر، بطبيعة الحال، من ملاحظات؛ فقد بدا التفاوت في التحكم الصوتي واضحا لدى بعض الطلاب، كما ظهرت لدى بعض المخرجين مسحة من التردد في اتخاذ قرارات أكثر جرأة، وربما ارتبط ذلك بطبيعة المشروع بوصفه امتحانا أكاديميا يخضع لتقييم لجنة متخصصة.

ومع ذلك، فإن ما تحقق على هذه الخشبة يتجاوز فكرة النجاح الدراسي، فقد كشف عن وعي أولي باللغة المسرحية، وعن رغبة حقيقية في البحث عن صوت فني خاص.

ومن “الأشجار تموت واقفة” إلى “الكمامة”، ثم “قصة حديقة الحيوان”، و”لا داعي للقلق”، وصولا إلى “مشاحنات”، وجميع اجتهادات الطلاب التي لم أتمكن من مشاهدتها تتشكل أمامنا خريطة مسرحية شابة تتعدد فيها الأساليب والرؤى، وتجتمع حول رغبة صادقة في التجريب.

قد لا يجد هؤلاء الخريجون الطريق ممهداً بعد مغادرتهم الجامعة، وقد يواجهون واقعاً مسرحياً لا يمنح الفرص بسهولة، لكن ما اكتسبوه داخل هذا المختبر الأكاديمي، قسم المسرح، سيظل رصيدهم الأهم.

فالمسرح، في النهاية، لا يقوم على النجاحات السريعة، إنه يتشكل عبر التجارب الصادقة، وعبر الممثل الذي يعتلي الخشبة مستعداً للمغامرة، وللخطأ، وللتعلم.

وبعد هذه الليالي، بدت هذه المشاريع خطوة أولى في مسار يتشكل أكثر مما يكتمل، وكشفت عن جيل مسرحي يحاول أن يصوغ لغته الخاصة ويختبر أدواته ورؤاه.

وما يبقى من هذه التجربة ليس نتائجها الآنية، وإنما القدرة على الاستمرار في البحث والتجريب والممارسة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك