غزة – التحق الشاب محمود البطش بمدرسة لتعليم قيادة المركبات أعادت تفعيل برامجها التدريبية مؤخرا في غزة، رغم العراقيل التي واجهتها بعد تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاع النقل والمواصلات على مدار عامين من الحرب.
يدير محمود محرك السيارة التي يقودها إلى جانب مدربه في شوارع وعرة غابت عنها الإشارات الضوئية والإرشادية، ما زاد من صعوبة تعلم طريقة السير القانوني، لكنه ومع ذلك مضى في خطوته التي أرادها أن تغير حياته وتمنحه أملًا يحسن عبره وضعه المعيشي.
يقول البطش للجزيرة نت إنه قرر الالتحاق بدورات تعليم القيادة للحصول على رخصة حرصا منه على السير بصورة آمنة ومسؤولة، وعلى أمل أن تفتح المجال أمامه للحصول على فرصة عمل بعدما باتت وسيلة مهمة لتحسين مصدر الدخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار أدى إلى زيادة تكلفة تعلم القيادة، إلا أن الحاجة إلى الرخصة تدفعه لتحمل هذه الأعباء، باعتبارها استثمارا في مستقبله.
ويشتكي من عدم تأهيل الطرقات التي دمّرها الاحتلال، وهو ما يحول دون إتقانه قوانين السير بسلاسة نظرا لغياب جميع الإشارات الإرشادية عن الطرقات.
من جانبه، يقول مدرب القيادة عبد الله جندية، إن الدمار الواسع الذي طال الشوارع والإشارات المرورية، أثّر بشكل مباشر على جودة التدريب العملي وأوجد صعوبات إضافية أمام المدربين والمتدربين.
وأوضح جندية للجزيرة نت أن غياب معظم الإشارات المرورية يسبب ارتباكا لدى المتدربين، لأن تعليم القيادة يعتمد بصورة أساسية على تطبيق قوانين السير داخل بيئة مرورية مكتملة تضم إشارات وعلامات تنظيمية تساعد الطالب على اكتساب المهارات الصحيحة.
كما أن الطرق المخصصة سابقًا للتدريب لم تعد صالحة للاستخدام، بعد أن تضررت بشكل كبير وتحولت أجزاء واسعة منها إلى مناطق نزوح ومخيمات، وهو ما جعل بيئة التدريب غير آمنة وغير مؤهلة لتعليم القيادة بالشكل المطلوب.
وأضاف أن الجهات المختصة خصصت للمدربين منطقة محددة لإجراء التدريبات العملية، رغم أنها تعرضت لأضرار وتحيط بها مبان مدمرة، لكنها تعد من أفضل المناطق المتاحة حاليًا، لكونها تضم عددًا محدودًا من الإشارات المرورية وتسمح باستمرار التدريب إلى حد ما.
وتواظب المتدربة صابرين الحايك على تعلم الإشارات نظريا مستعينة بوسائل شارحة بالتزامن مع دروس عملية تتجول فيها إلى جانب مدربها في شوارع غزة المدمرة.
تقول صابرين للجزيرة نت إن قرارها جاء بدافع الاعتماد على نفسها في التنقل، خاصة في ظل أزمة المواصلات التي تعيشها غزة بعد الحرب، مؤكدة أن امتلاك رخصة قيادة أصبح ضرورة أكثر منه خيارا.
وجعل الدمار الواسع الذي لحق بالشوارع التدريب العملي أكثر صعوبة، موضحة أن معظم الإشارات المرورية اختفت وتضررت معالم الطرق، الأمر الذي يتطلب من المتدربين بذل جهد أكبر لفهم مسارات السير وآلية التعامل مع التقاطعات.
كما أن المدرب يعتمد على شرح المواقف المرورية بصورة عملية، ويوجه المتدربين إلى كيفية اختيار المسار الصحيح والتعامل مع التقاطعات في ظل غياب كثير من الإشارات والعلامات الإرشادية، ما يساعدهم على تعويض جزء من النقص الذي خلفته الحرب.
وتؤكد صابرين أن تجربة تعلم القيادة اليوم تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل الحرب، فبيئة التدريب أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل تجهيزًا، إلا أنها مصممة على إكمال التدريب والحصول على رخصة القيادة رغم التحديات التي تفرضها الظروف الحالية.
ويواجه القائمون على مدارس تعليم القيادة الكثير من العراقيل التي خلفتها الحرب، ويؤكد مدير مدرسة الشمال الحديثة لتعليم القيادة، جواد البربار أن هذا القطاع في غزة تعرض لخسائر كبيرة، بعدما دُمرت مركبات التدريب ومقار العديد من المدارس، ما جعل استئناف العمل تحديًا بالغ الصعوبة.
وأوضح للجزيرة نت أن مجموعة من أصحاب المدارس قرروا تجاوز هذه الظروف من خلال توحيد إمكاناتهم، إذ جمعت بعض المدارس ما تبقى لديها من مكاتب ومركبات وكوادر، وشكلت إطارًا مشتركًا للعمل، بهدف إعادة تشغيل القطاع تدريجيًا، رغم شح الإمكانات وضعف الموارد المالية.
وفرض الارتفاع الكبير في أسعار الوقود والزيوت وقطع الغيار -بحسب البربار- واقعا جديدا على المدارس، ما دفعها إلى اعتماد تسعيرة تراعي تكاليف التشغيل المرتفعة وفي الوقت نفسه دون أن تشكل عبئا كبيرا على المواطنين، مؤكدًا أن هامش الربح أصبح محدودًا للغاية، وأن الهدف الأساسي هو استمرار العمل والحفاظ على هذا القطاع.
وبيّن البربار أن المدارس خفضت عدد الدروس المطلوبة للحصول على رخصة القيادة مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة، وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود لأكثر من 10 أضعاف عما كانت عليه قبل الحرب على غزة.
ولفت إلى أن أزمة قطع الغيار ما تزال تشكل أحد أبرز التحديات، إذ تعاني المدارس من نقص الزيوت والإطارات ومواد الصيانة، ما يدفع بعض أصحاب المركبات إلى استخدام بدائل غير مثالية للحفاظ على استمرار عمل سيارات التدريب، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الصيانة إلى مستويات تفوق قدرة كثير من المدارس.
وبحسب البربار، فقد أصبح الحصول على رخصة القيادة اليوم يقتصر في الغالب على من يحتاجها للعمل أو لممارسة مهنته، إذ إن الإقبال الحالي لا يتجاوز 25% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
وترافق تراجع أعداد المتدربين مع انخفاض عدد المدارس العاملة، إذ كان عددها قبل الحرب نحو 84 مدرسة، فيما انخفض حاليا إلى أقل من 30.
وفي إطار متابعة وزارة النقل والمواصلات في غزة لإعادة تفعيل إصدار رخص القيادة، قال مدير عام مدارس تعليم القيادة محمود ياسين، إن حرب الإبادة خلفت أضرارا كبيرة في قطاع تعليم القيادة، ما أدى إلى تعطل عمل العديد منها وعدم قدرتها على استئناف نشاطها.
وأوضح للجزيرة نت أن الوزارة عملت على تجاوز هذه التحديات عبر تقديم حزمة من التسهيلات والضوابط التي ساعدت أصحاب المدارس على العودة إلى العمل تدريجيًا، بما فيها السماح في بعض الحالات بتسجيل مركبات تدريب لا تستوفي جميع المواصفات المعتادة، واعتماد نظام للتوأمة بين المدارس، بحيث تستفيد المدارس المتضررة من المركبات المتوفرة لدى مدارس أخرى.
وأشار ياسين إلى أن الدمار الذي طال البنية التحتية المرورية شكّل تحديا إضافيا، إذ تعرضت غالبية الإشارات المرورية في شوارع غزة للتدمير، وهو ما أثر على بيئة التدريب والفحص العملي.
وقال إن الوزارة وضعت خطة مع الجهات الشريكة لإعادة تأهيل بيئة التدريب، تضمنت تحديد مسارات مناسبة للتدريب العملي وتركيب عدد من الإشارات المرورية الأساسية التي يحتاجها المتدرب لاكتساب المهارات المطلوبة.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار المحروقات والزيوت وقطع الغيار، أوضح ياسين أنه تم التوافق على تصور يراعي الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل، بما يشمل الوقود والزيوت والفلاتر والإطارات، وصولًا إلى تحديد تسعيرة عادلة للدرس التدريبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك