عندما وصلت بعثة منتخب إنجلترا إلى مدينة ميامي التي تخنقها الحرارة، كان من الطبيعي أن يتساءل بعضهم عما إذا كان من الأفضل ألا يواجه الفريق البرازيل في مثل هذه الأجواء، فمن المتوقع أن تصل" درجة الحرارة المحسوسة" اليوم السبت إلى 45 درجة مئوية، مع نسبة رطوبة من الممكن أن تبلغ 80 في المئة، مما يعني أن مواجهة منتخب تنتمي أجزاء من بلاده إلى الدائرة القطبية الشمالية ربما تكون خياراً أكثر راحة.
لكن توماس توخيل وأعضاء جهازه الفني سيحذرون فوراً من هذا النوع من التفكير، ليس أقلها لأن النرويج، على الأرجح، فريق أفضل من البرازيل.
وبعدما أكثر مدرب إنجلترا من الحديث عن" روح الأخوة"، فإنه يتحدث بإعجاب عن الروح السائدة داخل معسكر المنتخب النرويجي.
والفوز على المكسيك يعكس كيف بدأت إنجلترا تبني زخماً معنوياً خاصاً بها، إذ أصبحت طقوس ترديد أغنية" ووندر وول" بعد المباريات تمثل نسختها الخاصة من احتفال" تجديف الفايكينغ" الذي تشتهر به النرويج.
أما الفريق الإنجليزي، فبات يؤمن بنفسه حقاً، فالشكوك التي ظهرت بسبب بعض المشكلات في البداية والتي لا تزال موجودة، لم تعُد تثقل كاهله.
وهذا هو أثر الانتصارات التي حققها بالطريقة التي ظهرت في ملعب" أزتيكا"، إذ تشعر بعدها أنك قادر على تجاوز أية عقبة.
والنرويج تعيش إحساساً مشابهاً بعد فوزها" المفاجئ" على البرازيل في دور الـ16.
هالاند وكين.
صراع النجوم وعلاقة إنجلترا بالنرويجويدرك توخيل تماماً أن عقلية الأندية يمكن أن تقود الفريق بعيداً وسط الشحنة العاطفية التي ترافق كأس العالم.
كما يعرف جيداً أن وجود لاعب من الطراز العالمي قادر على ترجمة تلك الروح إلى إنتاج هجومي حاسم يجعل أي منافس بالغ الخطورة، ما لم يكُن الفريق المقابل من نخبة منتخبات العالم، على غرار بلغاريا بقيادة خريستو ستويتشكوف في مونديال أميركا 1994.
ولا يُعد إيرلينغ هالاند أول نجم كبير تواجهه إنجلترا في هذه النسخة من كأس العالم وحسب، بل إنه أفضل هداف في العالم حالياً، وربما المهاجم الوحيد الذي يتفوق على هاري كين.
ويجسد اللاعب البالغ من العمر 25 سنة جانباً آخر من الروابط بين إنجلترا والنرويج، في الأقل من زاوية علاقة" الأخ الأصغر بالأخ الأكبر"، وهي علاقة تضفي بعداً عاطفياً خاصاً على هذه المباراة.
فبينما لا تعير إنجلترا اهتماماً كبيراً للنرويج عادة، فإن النرويجيين، على نحو معروف، لا يزالون يولون إنجلترا اهتماماً بالغاً.
فهي من أكثر الدول ولعاً بإنجلترا.
وهناك فخر كبير بتتويج هالاند مجدداً بالحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي الممتاز، وبأن مارتن أوديغارد أصبح أول قائد نرويجي يقود فريقه لإحراز لقب الدوري الإنجليزي الممتاز، بفضل الشعبية الجارفة لكرة القدم الإنجليزية هناك.
وهو مستوى يفوق ما مثله في السابق لارس بوهينن ووالد هالاند، ألف إينغ.
ومع تطور ثقافة كرة القدم في النرويج عبر عقود من البث المنتظم للمباريات الإنجليزية، أصبحت جزءاً راسخاً من الإرث الرياضي للبلاد.
ويوصف المدرب ستوله سولباكن الذي لعب لفترة قصيرة مع ويمبلدون، بأنه من أكثر المشجعين شغفاً، بل إن عدد النرويجيين المنضمين إلى روابط مشجعي الأندية الإنجليزية يفوق عدد المنتسبين إلى الأحزاب السياسية.
ويبدو هذا الشغف أقوى من أي وقت مضى، بالتزامن مع ازدهار كرة القدم المحلية، ولا سيما بفضل بودو غليمت.
وهذه الازدواجية تعكس واقع المنتخب النرويجي حالياً، وتفسر أيضاً طبيعة علاقته بإنجلترا.
اختبار توخيل الأول وأفضلية العمق الإنجليزيويواجه توخيل فجأة نوعاً مختلفاً من الضغوط، إذ يخوض، على الأرجح، أول اختبار حقيقي له.
فعلى رغم أن كرواتيا كانت تتقدم على النرويج بـ20 مركزاً في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل انطلاق البطولة، إذ احتلت المركز الـ11، فإن تلك المباراة أقيمت في ظروف أقل ضغطاً خلال دور المجموعات.
أما الآن، فالأمر يتعلق بالبقاء أو الخروج، ولم تودع إنجلترا بطولة أمام منتخب كان يفترض أن تتفوق عليه منذ خسارتها أمام آيسلندا عام 2016.
وكانت النسخة الماضية من كأس العالم هي البطولة الوحيدة خلال تلك الفترة التي خرجت فيها إنجلترا قبل بلوغ نصف النهائي، على يد فرنسا.
وإذا بدا أن في هذا الكلام شيئاً من التقليل من شأن النرويج، فإن النرويجيين أنفسهم قد يقولون شيئاً مشابهاً.
وعلى رغم إدراك توخيل ولاعبيه الكامل لحجم التحدي، فإن الواقع لا ينبغي تجاهله، فإنجلترا تمتلك عمقاً أكبر بكثير في تشكيلتها، مع نجوم يلعبون على مستوى أعلى.
وجرى الحديث كثيراً عن أن أحد أبطال النرويج هو الحارس الاحتياط طوال مسيرته أوريان نيلاند.
ومن الممكن أن يصبح هذا الفارق في نوعية التشكيلة أكثر أهمية مع الرطوبة الخانقة.
ويبدو من الغريب فعلاً أن يختار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هذا الملعب في منتصف يوليو (تموز) الجاري، من بين 16 ملعباً متاحاً، إذ شهدت فلوريدا بالفعل" أكثر مباريات كأس العالم حرارة في التاريخ"، عندما بلغت الحرارة 43 درجة مئوية خلال فوز المكسيك (2 - 1) على إيرلندا في مونديال أميركا 1994، وهي المباراة التي اشتهر فيها جون ألدريدج بانفجاره غضباً في وجه أحد الحكام الذي كان يرتدي قبعة صفراء.
وقيل إن حتى معسكر المكسيك احتج على" فيفا"، مطالباً مسؤوليه بخلع بدلاتهم الرسمية وتجربة اللعب بأنفسهم.
القوة الهجومية والخيارات التكتيكية تحسم المواجهةوقد تجعل الحرارة المرتفعة مباراة ربع النهائي هذه بطيئة الإيقاع، وهنا تبرز قيمة امتلاك إنجلترا خيارات تسمح لها بإشراك أنتوني غوردون بدلاً من ماركوس راشفورد، إضافة إلى مجموعة واسعة من البدائل الأخرى.
وبالمثل، إذا كانت النرويج تعتمد على نجم واحد للتسجيل، فإن إنجلترا تملك اثنين.
فإذا لم يهز هاري كين الشباك، فسيقوم جود بيلينغهام بذلك.
ولا ينبغي تجاهل أن إنجلترا نادراً ما امتلكت مثل هذا الترف.
وسجل كين بالفعل ستة أهداف، مقابل أربعة أهداف لبيلينغهام.
وأقرب ثنائي إلى ذلك في أية بطولة سابقة كان غاري لينيكر بأربعة أهداف وديفيد بلات بثلاثة في مونديال 1990، ثم واين روني وفرانك لامبارد بالأرقام نفسها في بطولة أوروبا 2004، وقبل ذلك سجل جيف هيرست أربعة أهداف مقابل ثلاثة لكل من بوبي تشارلتون وروجر هانت في مونديال 1966.
وقد يكون هذا الثراء الهجومي أكثر أهمية في مباراة تجمع بين دفاعين يبدوان قابلين للاختراق نسبياً، إذ استقبلت إنجلترا خمسة أهداف خلال خمس مباريات، على رغم حفاظها على نظافة شباكها أمام منتخبين لم يظهرا رغبة كبيرة في الهجوم، هما غانا وبنما.
أما النرويج، فاستقبلت 10 أهداف خلال خمس مباريات، وإن كان فريقها الاحتياطي تلقى أربعة أهداف أمام فرنسا.
كما أن العودة المتوقعة لريس جيمس للتشكيلة الأساسية ستغير المعادلة.
تكتيك سولباكن وطموح النرويج بمفاجأة جديدةومع ذلك، فإن مباريات كأس العالم لا تحسم دائماً بهذه الحسابات المباشرة، خصوصاً خلال هذه المرحلة، إذ تقوم التوقعات والمشاعر بدورها أيضاً.
فإذا كانت إنجلترا تستهدف الذهاب حتى النهاية، فإن الخطاب العلني في النرويج يؤكد أنهم سعداء فقط بوصولهم إلى هذا الحد.
والجميع يتحدث عن أن المشاركة مكسب بحد ذاته، وعن الاستمتاع بالرحلة.
وصنع المنتخب بالفعل لحظة وطنية خالدة، كما أظهرت مشاهد مئات الآلاف الذين احتفلوا في شوارع أوسلو.
لكن التعبير عن هذه المشاعر، في الأقل في ما يتعلق بكيفية خوض هذه المباراة، ينبغي التعامل معه بالقدر نفسه من التشكيك الذي قوبلت به تصريحات هالاند عندما قال إن فرصهم أمام البرازيل كانت" ضئيلة"، إذ كانوا يدركون أنها أكبر بكثير من ذلك.
وعلى رغم كل الأجواء الاحتفالية المحيطة بمشوارهم، فإن الجدية حاضرة بطبيعة الحال، فنجح سولباكن في توحيد المجموعة ووجد أخيراً الطريقة المثلى للجمع بين هالاند وأوديغارد وألكسندر سورلوث ضمن تشكيلة واحدة.
كذلك، يُعد مدافع فولهام السابق بريدي هانغيلاند أحد أفراد الجهاز الفني لسولباكن، ويؤدي دوراً محورياً في تحليل المنافسين، وأسهم أسلوبه الدقيق في قلب موازين كثير من المباريات، وفي مقدمتها مواجهة البرازيل في دور الـ16.
وأثناء تلك المباراة، دفع المنتخب النرويجي بكل من أوسكار بوب وأندرياس شيلدروب مع بداية الشوط الثاني، بعدما أدرك حجم المساحات التي تركها تركيز كارلو أنشيلوتي على مراقبة هالاند في الأطراف.
ونجح شيلدروب في توفير الفرصة التي احتاج إليها المهاجم ليسجل منها في النهاية.
وهذا تحديداً ما يجب على إنجلترا الحذر منه أكثر من أي شيء آخر، فمن المفترض أن يفرض فريق توخيل سيطرته ويستفيد من عمق تشكيلته، لكنه مطالب أيضاً بالانتباه إلى أسلوب أقرب إلى حرب العصابات يلجأ إليه ربما منافسه.
وفي مباراة سترتفع فيها الحرارة إلى أقصى حد، من المرجح أن يكون الحسم في النهاية رهناً بقوة الأسلحة الهجومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك