في الحادي عشر من يوليو عام 1302، شهدت مدينة كورتري، الواقعة في فلاندرز (بلجيكا حاليًا)، واحدة من أكثر المعارك تأثيرًا في تاريخ أوروبا الوسيط، عندما نجحت ميليشيات فلمنكية من الحرفيين والتجار والمزارعين في إلحاق هزيمة ساحقة بالجيش الملكي الفرنسي، الذي كان يضم نخبة فرسان أوروبا آنذاك.
وعُرفت المواجهة لاحقًا باسم" معركة المهاميز الذهبية"، في إشارة إلى مئات المهاميز الذهبية التي انتزعها المنتصرون من جثث الفرسان الفرنسيين.
احتلال فرنسي وتمرد فلمنكيجاءت المعركة في ظل صراع طويل بين الملك الفرنسي فيليب الرابع ومدن فلاندرز الغنية، التي كانت تتمتع بازدهار اقتصادي بفضل صناعة النسيج والتجارة.
وسعت فرنسا إلى فرض سيطرتها المباشرة على الإقليم، ما أدى إلى اندلاع تمرد واسع قاده سكان المدن والحرفيون ضد الحكم الفرنسي.
وبعد عامين من الاحتلال، قررت الميليشيات الفلمنكية مواجهة الجيش الفرنسي في معركة فاصلة قرب مدينة كورتري.
كيف هُزم أقوى فرسان أوروبا؟اعتمد الجيش الفرنسي على سلاح الفرسان المدرع، الذي كان يمثل القوة الضاربة في حروب العصور الوسطى، بينما لم يمتلك الفلمنكيون سوى مشاة من النساجين والحدادين والعمال والحرفيين.
لكن قادة فلاندرز استغلوا طبيعة الأرض ببراعة، فاختاروا ساحة تحيط بها المستنقعات والجداول، وحفروا خنادق أخفتها النباتات، مما أعاق اندفاع الخيول الثقيلة، وحوّل ميزة الفرسان إلى نقطة ضعف قاتلة.
كما استخدم المقاتلون سلاحًا محليًا عُرف باسم" غودنداغ"، وهو عصا خشبية طويلة تنتهي برأس فولاذي حاد، صُممت لاختراق دروع الفرسان بعد سقوطهم عن خيولهم.
عندما اندفع الفرسان الفرنسيون للهجوم، فقدوا توازنهم وسط الأراضي الموحلة، لتهاجمهم صفوف المشاة المنظمة بالرماح والأسلحة الثقيلة، وأسفرت المعركة عن مقتل القائد الفرنسي روبرت الثاني كونت أرتوا، إلى جانب عشرات كبار النبلاء وأكثر من ألف جندي فرنسي.
ورفض المقاتلون الفلمنكيون، على غير عادة حروب ذلك العصر، أسر النبلاء مقابل الفدية، وأجهزوا على معظمهم، في مشهد عكس حجم الغضب الشعبي من سنوات الاحتلال.
لماذا سُميت بالمهاميز الذهبية؟بعد انتهاء القتال، جمع المنتصرون أكثر من 500 زوج من المهاميز الذهبية التي كانت تزين أحذية الفرسان الفرنسيين، وعلّقوها داخل كنيسة السيدة العذراء في كورتري، لتصبح رمزًا لانتصار المشاة على طبقة النبلاء، ومن هنا اكتسبت المعركة اسمها الشهير.
يرى المؤرخون أن معركة كورتري مثلت نقطة تحول في تاريخ الحروب الأوروبية، إذ أثبتت أن الجيوش المنظمة من المشاة قادرة على هزيمة سلاح الفرسان المدرع، الذي ظل لقرون يُعد القوة العسكرية الحاسمة في ميادين القتال.
كما عززت المعركة مكانة مدن فلاندرز، ورسخت فكرة أن الانضباط والتخطيط قد يتفوقان على التفوق الطبقي والعسكري التقليدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك