وسط حشود كبيرة وتعزيزات متبادلة انفجرت معارك كرّ وفرّ طاحنة بين الجيش السوداني والقوات المشتركة من جهة، وقوات" الدعم السريع" من جهة أخرى حول مدينة كلبس في شمال مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب كردفان.
وقال مصدر عسكري إن ما حدث في كلبس هو إعادة تموضع تكتيكي لوحدات الجيش خارج المدينة حتى تتمكن من إدارة المعارك بمرونة أعلى، مشيراً إلى أن مقاتلات ومسيرات الجيش استهدفت حشود الجماعة التي حاولت التجمع في محيط المحلية وأوقعت فيها خسائر فادحة في الأرواح والآليات.
وأكد المتحدث باسم القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش متوكل علي وكيل أن المعارك والاشتباكات العنيفة ما زالت مستمرة، وأن الجيش والقوات المشتركة ما زالا يسيطران على مداخل ومخارج المحلية.
وذكرت مصادر أن قوات الجيش وحلفاءه تراجعوا إلى خارج كلبس بعد سيطرة استمرت لما يقارب الـ10 أيام.
في المقابل أكدت" الدعم السريع" استعادتها السيطرة التامة على مدينة كلبس عقب معارك ضارية لرد الاعتبار، أسفرت عن انسحاب القوات المشتركة وإعادة تموضعها في المناطق المحيطة بمحلية الطينة.
وكانت الجماعة دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى محيط المدينة استقدمتها من غرب كردفان وسرف عمرة وكبكابية حيث جرى نشرها في ثلاثة محاور رئيسة بمحيط مدينتي الجنينة وكلبس، استعداداً لتحرك مضاد لوقف تمدد الجيش والقوات المشتركة المتسارع نحو استعادة السيطرة على الجنينة عاصمة غرب دارفور.
واتهمت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر" الدعم السريع" بممارسة أبشع الانتهاكات في حق المدنيين من ترهيب وقتل في حق من تبقى من المواطنين الأبرياء هناك عقب سيطرتها على المنطقة، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار العمليات العسكرية.
وتقع مدينة كلبس في أقصى غرب السودان قرب الحدود مع تشاد، وتبعد نحو 160 كيلومتراً شمال غربي مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، وتكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعها الحدودي على مسارات الحركة والإمداد عبر الحدود التشادية.
منذ أسبوعين تتصاعد وتيرة المعارك وتحتدم المواجهات في المناطق الحدودية المحاذية لدولة تشاد في إقليم دارفور، حيث سيطر الجيش الإثنين الماضي على كلبس قرب الحدود التشادية وتمثل البوابة الرئيسة للوصول إلى مدينة الجنينة وخطوط إمداد للأطراف المتحاربة وممرات لوجيستية مهمة للطرفين.
وأشارت مصادر ولائية إلى أن المعارك والمواجهات العنيفة حول كلبس دفعت بآلاف المواطنين إلى الفرار نحو الوديان والغابات وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد، ومخاوف متزايدة من مواصلة" الدعم السريع" هجماتها على قرى غرب دارفور وارتكاب اعتداءات بالقتل والتدمير والخطف على أساس إثني في حق السكان، وحرق منازل ومرافق خدمية.
في شمال كردفان، وعلى أثر الهدوء النسبي الذي ساد العاصمة الولائية الأبيض وتوقف قصف المسيرات منذ أيام عدة، يواصل الجيش عمليات التمشيط لتوسع نطاق دائرة تأمين المدينة بجانب تعزيز مواقعه ونشر قواته في المحيط الملامس لها، بينما تحاول" الدعم السريع" تكثيف تحركاتها للاقتراب من محيط المدينة الغربي.
وأكدت السلطات الولائية استقرار الأوضاع داخل المدينة مع تواصل جهودها لاستعادة عمل المرافق الخدمية الأساسية التي طاولها التدمير بواسطة هجمات مسيرات الجماعة، لضمان انسياب مياه الشرب وعودة الكهرباء بخاصة للقطاعات الحيوية كالمستشفيات ومحطات المياه.
وتعاني مدينة الأبيض أزمة مياه خانقة على أثر تعطل مضخات المياه واستهداف منشآت الطاقة، مما أجبر السكان على الاعتماد على الآبار وناقلات المياه بأسعار باهظة، وأدى تعطل الطرق الرئيسة إلى صعوبة وصول السلع الغذائية والوقود وتسبب في ارتفاع كبير للأسعار داخل أسواق الولاية.
في هذا الوقت توعد الاتحاد الأوروبي باتخاذ تدابير وعقوبات صارمة ورادعة ضد القادة العسكريين المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني في مدينة الأبيض، مجدداً تحذيره من مغبة استمرار التصعيد العسكري حول المدينة.
وأبدى الاتحاد في بيان، قلقه البالغ إزاء تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في الأبيض، مشدداً على أن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي استهداف ممنهج للمواطنين أو الأعيان المدنية والمستشفيات، وطالب البيان الجهات الفاعلة والقوى الإقليمية والأجنبية بالوقف الفوري والشامل لأي دعم عسكري أو لوجستي يغذي الصراع ويؤجج نيران الحرب في الأبيض وبقية أقاليم السودان، مما يسهم في إطالة أمد الأزمة الإنسانية ومعاناة السودانيين.
في محور النيل الأزرق استعرض الجيش كميات من الأسلحة والآليات التي استولى عليها عقب استرداد مدينة الكرمك الحدودية مع إثيوبيا، وواصل عمليات التمشيط في محيط المدينة التي تمت استعادتها الأربعاء الماضي من قبضة" الدعم السريع" وحليفته الحركة الشعبية - شمال بقيادة جوزيف توكا.
وأطلقت السلطات الإقليمية والمحلية مشاريع إسعافيه عاجلة لاستعادة الخدمات بالمدينة بعد عمليات التدمير والنهب التي طاولت المؤسسات الخدمية تمهيداً لعودة المواطنين الفارين إلى المدينة وأريافها.
وبالتزامن مع نداء الحكومة الإقليمية لعودة النازحين واللاجئين، وصلت مجموعات كبيرة من العائدين طوعاً إلى مناطق قلي بمحافظة التضامن وسط احتفالات كبيرة من قبل السكان والإدارات الأهلية.
في الأثناء شدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان على التزام الجيش والقوات المساندة له مواصلة العمليات العسكرية حتى اكتمال تطهير البلاد من كل المتمردين المعتدين.
وأكد البرهان خلال مخاطبته المصلين بمسجد الشيخ الطيب بمنطقة أم رحي بمدينة أم درمان، مواصلة معركة الكرامة حتى تطهير البلاد من التمرد، لافتاً إلى عدم تسليم مقاليد الدولة إلا وفق تراضٍ وطني شامل بين جميع السودانيين، " مستقبل السودان يجب أن يُبنى على توافق وطني شامل يحقق الأمن والاستقرار ويلبي تطلعات جميع السودانيين".
وأضاف البرهان" يخوض الجيش المعركة مستنداً إلى قوة عزيمته وإرادته والتفاف الشعب حوله، والسودان قادر بعزيمة أبنائه على تحقيق الانتصار في معركته الوطنية المقدسة"، مؤكداً عدم المضي في أي مسار لا يحظى بقبول السودانيين، و" لن تتم أي تسوية مستقبلية إلا بما يحقق تطلعات السودانيين وأمنهم واستقرارهم".
في محاولة لحسم الجدال في شأن اللقاء السري الذي جرى بين عضو مجلس السيادة الانتقالي ونائب القائد العام للجيش الفريق شمس الدين الكباشي وكبير مستشاري البيت الأبيض مسعد بولس، تحدثت تقارير عن أن اللقاء الذي جرى في العاصمة المصرية القاهرة آخر يونيو (حزيران) الماضي، تم من دون علم البرهان أو موافقته.
غير أن مصادر مقربة من الفريق الكباشي أكدت أنه جرى بتنسيق وعلم القيادة العليا للدولة وبالتنسيق مع مجلسي السيادة والوزراء، وتباحث خلاله مع بولس في ترتيبات إنهاء الحرب وإحلال السلام، وبدء عملية سياسية تشارك فيها القوى السياسية الوطنية في الداخل والخارج، مشدداً" على أنهم دعاة سلام لا دعاة حرب".
في السياق نفسه ذكرت مصادر أن الحكومة ردت كتابة على مقترحات المبعوث الأميركي مؤكدة الالتزام بالتفاوض كوسيلة لوقف الحرب وإنهاء القتال، لكنها اشترطت مقابل ذلك انسحاب" الدعم السريع" من المدن التي احتلتها منذ الـ11 من مايو (أيار) عام 2023 اتساقاً مع ما تم التوقيع عليه في اتفاق منبر جدة التفاوضي.
وجاء رد الحكومة الذي سلمته لبولس في الـ25 من يونيو الماضي، وفق المصادر، في ثلاثة أجزاء شملت الموافقة على هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، بما فيها مقترحات بشأن آليات التنفيذ والمراقبة.
وأكد الرد ضمان وحدة السودان وسلامة أراضيه، وإنهاء التدخلات الأجنبية، وإيقاف دعم الجماعة بالسلاح والمرتزقة مع الحفاظ على الجيش الوطني الموحد، وإدماج التشكيلات العسكرية الأخرى فيه.
وتناول الشق الثاني من الرد تفاصيل العملية السياسية المؤدية إلى حكومة مدنية انتقالية والإشراف على انتخابات حرة وقضايا إعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي، وتضمن الجزء الثالث والأخير المرتبط بالترتيبات الأمنية، مقترحات في شأن انسحاب الجماعة من المدن السودانية وتجميعها في مدن محددة خلال ثلاث مراحل مدة كل واحدة منها شهر واحد.
في السياق طالب القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول بأن تتم كل إجراءات التفاوض بين الأطراف في النور، مشيراً إلى أن قضية الحرب والسلام وحكم البلاد تهم الجميع وليست حكراً على جهة محددةن مضيفاً في منشور على منصة" فيسبوك" " طالما وصل النقاش بين الأطراف إلى مرحلة تبادل المذكرات والأوراق، فهذا يعني أن التفاوض مستمر، ومن الضروري أن يكون في العلن والنور".
وتضمن المقترح الأميركي لإنهاء الحرب في السودان خطة متكاملة من بنود عسكرية وسياسية واقتصادية تهدف إلى تحقيق الاستقرار، وبدء مرحلة انتقالية جديدة بإشراف مشترك دولي سوداني.
وشمل أبرز بنود المقترح إقرار هدنة فورية لمدة 90 يوماً مدعومة بآلية أممية لدعم وقف إطلاق النار، ونشر مراقبين دوليين، مع استثمار الهدنة للتفاوض على وقف دائم للنار والشروع في الانتقال لسلطة مدنية، ونص المقترح على إنهاء الدعم العسكري الأجنبي ووجود المقاتلين الأجانب، ونزع سلاح المقاتلين وتسريحهم أو تجميعهم في معسكرات محددة والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لحكومة مدنية انتقالية وفقاً لعملية مملوكة للسودانيين، بجانب إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار وإعداد خطط عاجلة للدعم الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك