يجعل الباحث والكاتب د.
أحمد سعيد فى كتابه «الصين من الداخل.
ثقافة العقل السياسى الصينى من كونفوشيوس حتى شى جين بينج» من الثقافة الإطار الأوسع، والمرجعية الأساسية للسياسة الصينية الداخلية والخارجية، ويسند هذه الثقافة إلى ثلاثة مصادر؛ الأول يتعلق بالثقافة التقليدية المستمدة من الفلسفة الكونفوشيوسية، التى تركز على خمس فضائل هى: الإنسانية والبر واللياقة والحكمة والإخلاص، والفلسفة الطاوية التى تؤكد على الانسجام مع قوانين الكون والبساطة والبعد عن التدخل القسرى فى مجريات الحياة، ثم البوذية التى تركز على التطهر الروحى والرحمة، إلى جانب القيم والتصورات الفرعية المحلية.
وعبر التاريخ تبلورت منظومة قيم لدى الصينيين حول المشاعر الوطنية، والعلاقات بين الأشخاص وداخل الأسرة وأماكن العمل ومجال الأعمال، والحرص على التحلى بالسمات الشخصية الإيجابية، واحترام الوقت، والتناغم مع الطبيعة والبيئة.
وهى قيم تتضافر وتتنافر أحياناً، ما يجعلها غاية فى التنوع والتعقيد داخل الثقافة الواحدة.
لا يعنى هذا أن هذه المنظومة مطبقة بحذافيرها عند كل فرد فى المجتمع، لكنها تشكل الإطار المعنوى والرمزى للتيار الرئيسى داخله، وتدور حول قيمة مركزية هى «التناغم»، الذى يشكل أكثر المفاهيم رسوخاً وتغلغلاً فى بنية العقل الصينى، ويبدو حاكماً للفكر الفلسفى والسياسى التقليدى، من عهد الإمبراطورية إلى الجمهورية الثورية، وكذلك للدبلوماسية الصينية حيال الجوار والعالم الخارجى.
والثانى هو الأيديولوجية الشيوعية أو الاشتراكية الماوية، التى هى بالنسبة للصين ليست مجرد نظام اقتصادى وسياسى، إنما أفق ثقافى وأخلاقى يتماشى مع التقاليد الكبرى للفلسفات الثلاث المذكورة سلفاً، التى تمده برافد معرفى حول «المساواة» و«الوعى» اللذين يشكلان جوهر الاشتراكية، مسنود إلى تعاليم حكيم الصين منشيوس، المقبولة لدى الكونفوشيوسية، حول العطف على الآخرين، أو التى أقرها فيلسوف الطاوية لاو تسى عن الرحمة والاقتصاد وعدم التقدم على الجميع، أو حديث البوذية عن مجاهدة الأنانية واحتضان الكائنات جميعاً.
وصنعت الماوية رؤية مرنة للاشتراكية تقوم على التعلّم المتبادل بين الحزب والشعب، والمسار الثورى الشعبى، وقيام التغيير من أسفل بتفاعل الإرادات الجماعية، ودفعها نحو الطريق الصحيح، والتعامل مع العلاقات الدولية بوصفها حواراً مستمراً لا عملية إملاء وتوجيه، ضمن إطار يقوم على أن «الجماعة أولاً»، واعتبار القيم الأخلاقية التقليدية، وليست المسائل المادية فقط، مرتكزاً للنهضة، وتجديد القيم وتحديثها عبر تأويل يجعلها قادرة على مواكبة متطلبات دولة حديثة.
والثالث هو بعض القيم الغربية التى دخلت حديثاً على المجتمع الصينى، وتمت تبيئتها، أو هضمها فى المجرى العام للثقافة المتوارثة الراسخة.
فالإمبراطوريات المتعاقبة فى الغرب من البرتغال وإسبانيا حتى الولايات المتحدة الأمريكية، مروراً ببريطانيا وفرنسا، اعتمدت مبدأ «الحق للأقوى»، ما دفعها إلى استمراء التوسع، وفرض النموذج الحضارى عنوة، تحت وهم أن «الآخر» ناقص يحتاج إلى إكمال، وفاسد يحتاج إلى إصلاح، ومتخلف فى حاجة إلى من يأخذه إلى طريق التقدم.
وعانت الصين من عبء هذا المنطق الاستعمارى خلال حقبة احتلالها من قبَل بريطانيا، بعد احتلال يابانى صوّر آثاره الفادحة الأديبب الصينى مو يان، الحاصل على جائزة نوبل، فى روايته «الذرة الرفيعة الحمراء»، لكن الصين لم تدع هذا يجرف فى طريقه ما تفرزه وتفرضه ثقافتها المتوارثة، ما جعل الصينيين يتبنون بعد تخلصهم من الاستعمار مبدأ مفاده أن «العلاقة العادلة لا تقوم إلا إذا كان طرفاها متساويين من حيث الكرامة والاحترام، حتى لو تفاوتا فى القوة».
وقد تبنت الصين نهجاً نقدياً لرؤية وأداء المؤسسات الغربية التى تهيمن على العالم مثل «صندوق النقد والبنك الدوليين»، وقبلهما «عصبة الأمم»، التى قامت عقب الحرب العالمية الأولى، و«الأمم المتحدة»، التى قامت بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال قائمة، اتخذت فيها «بكين» من الماركسية أداة لفهم آليات الإخضاع وليس فقط مقاومته.
وهذا النقد جعل الصين تميل إلى سياسة خارجية أكثر استقلالية حيال هذه الهيمنة، لتكون أيديولوجية مزدوجة المرجعية، تمزج فيها بين الطبقى والقومى، والمحلى والدولى، وتقوم على ماركسية تحليلية تدرك الأوضاع المترتبة على الصراع الطبقى، وقومية ترفض الهيمنة، وتعزز السيادة الوطنية.
وفى إهاب هذه الأيديولوجية أعيد تعريف السلم العالمى، وفق منظور تحررى، بعد أن كان يقوم على التناغم وتراتبية القيم فى الفكر الكلاسيكى، ليرى أن السلم لا يتحقق إلا بزوال الظلم، وأن التناغم لا وزن له إن كان يُفرض عنوة على الطرف الضعيف، وأن علاقات الدول المتكافئة لا تُبنى على احترام رمزى، إنما على عدالة حقيقية، تعيد توزيع النفوذ العالمى، وتجعل صوت الشعوب المقهورة مسموعاً.
ولهذا دعمت الصين حركات تحرر وطنى وتقرير مصير فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وطرحت خطاباً أممياً يناهض اصطفاف الاستعمار، ودعت إلى تأسيس علاقات خارجية وفق مبدأ «الندية لا التبعية»، وقيام تحديث لا يهمل الذات، ويعمل على تحرير الاقتصاد من التبعية، والسياسة من الوصاية، فى ظل امتلاك الشعب لوسائل الإنتاج والمعرفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك