لم تعد السيطرة في النزاعات المعاصرة تُقاس فقط بما يُنتزع من الأرض، بل بما يُعاد تعريفه من مفاهيم الدولة والسيادة والهوية الوطنية.
فالمرافق السيادية الكبرى ليست مجرد منشآت خدمية، وإنما تمثل التعبير العملي عن استقلال القرار الوطني وقدرة الدولة على إدارة حدودها ومصالحها بعيداً عن الوصاية الخارجية.
وعليه، فإن أي محاولة لإعادة توجيه وظيفة هذه المرافق بما يخدم مشروعاً سياسياً عابراً للدولة تستحق في تصوري قراءة تتجاوز ظاهر الأحداث، وتغوص في دلالاتها الاستراتيجية وآثارها على مستقبل اليمن ومكانته الإقليمية.
لذلك فإن معركة الحوثية لا تقف عند حدود السيطرة على الأرض أو مؤسسات الدولة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل معنى السيادة نفسها بما يخدم مشروعها الثيوقراطي العابر للدولة الوطنية.
فالسعي إلى إقصاء الخطوط الجوية اليمنية من مطار صنعاء، وتهيئة المجال أمام الطيران الإيراني ليصبح الناقل المهيمن، لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً إدارياً أو اقتصادياً، بل بوصفه خطوة ضمن مسار يهدف إلى تحويل أحد أهم المنافذ السيادية لليمن من مرفق وطني يخدم جميع المواطنين إلى أداة نفوذ تتحكم بها ميليشيا مرتبطة بمصالح خارجية.
وعندما تصبح حركة الطيران اليمنية مرهونة بإرادة غير يمنية، فإن القضية في تصوري تتجاوز النقل الجوي لتلامس جوهر استقلال القرار الوطني، لأن الدولة تبدأ بفقدان معناها حين تفقد السيطرة على حدودها ومؤسساتها الاستراتيجية.
من هذه الزاوية، يصبح احتجاز أكثر من 120 مليون دولار من أموال الخطوط الجوية اليمنية، ورفض الإفراج عنها لتمكين الشركة من شراء أو استئجار طائرات جديدة، ثم السعي إلى إقصائها من مطار صنعاء، دليلاً على أن معاناة المسافرين لم تكن يوماً جوهر المشكلة، وإنما كانت وسيلة لتبرير مشروع السيطرة.
فلو كانت مصلحة اليمنيين هي الغاية، لكان المنطق يقضي بدعم الناقل الوطني والحفاظ على استمراريته باعتباره مؤسسة اقتصادية جامعة صمدت رغم سنوات الحرب والانقسام.
أما السعي إلى استبدال مؤسسة وطنية بشركة أجنبية تخدم مصالح دولة أخرى، فإنه يكشف التناقض الصارخ بين الخطاب الذي يرفع شعارات السيادة والاستقلال، والممارسة التي تستبدل الإرادة الوطنية بمراكز نفوذ خارجية، في مفارقة تعكس طبيعة المشروع أكثر مما تعكس طبيعة الأزمة.
وعليه، فإن خطورة السعي إلى تحويل مطار صنعاء إلى بوابة نفوذ إيرانية لا تنحصر في الداخل اليمني، بل تمتد في تقديري إلى الأمن الإقليمي والدولي بحكم الموقع الجيوسياسي لليمن وإشرافه على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
لاحظوا معي من فضلكم أن المسألة لم تعد خلافاً بين حكومة شرعية معترف بها دولياً وميليشيا مسلحة، بل أصبحت اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية مفهوم الدولة الوطنية ومنع تحويل المرافق السيادية إلى أدوات لخدمة مشاريع عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، الموضح أعلاه، يتضح أن موقف الحكومة اليمنية الداعي إلى تمكين الخطوط الجوية اليمنية من أداء دورها والإفراج عن أموالها وحماية استقلالها، لا يمثل دفاعاً عن شركة طيران فحسب، بل دفاعاً عن الرمزية الوطنية لمؤسسات الدولة، وعن حق اليمنيين في أن تبقى بوابات وطنهم مفتوحة باسم اليمن، لا باسم أي مشروع خارجي.
في الواقع إن الدفاع عن الخطوط الجوية اليمنية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعاً عن شركة نقل فحسب، وإنما عن فكرة الدولة ذاتها، لأن المؤسسات السيادية تفقد معناها عندما تتحول إلى أدوات تخدم إرادات خارج حدود الوطن.
وحين يصبح المنفذ الجوي خاضعاً لمنطق النفوذ لا لمنطق المصلحة الوطنية، فإن الخطر يتجاوز اللحظة السياسية ليطال مستقبل السيادة اليمنية برمته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك