لا أحد يُغيّر أحدًا يشيع بين الناس اعتقادٌ راسخ بأن الإنسان قادر على تغيير الآخرين.
فقد يعتقد الأب أنه غيّر ابنه، أو يرى المعلم أنه صنع شخصية تلميذه، ويظن المدير أو المصلح الاجتماعي أنه غيّر من حوله.
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالتغيير الحقيقي لا يُفرض من الخارج، بل يبدأ من الداخل.
لقد وضع القرآن الكريم هذه الحقيقة في قاعدة خالدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
فالآية ترسم سنّة من سنن الحياة؛ فالبداية دائمًا من الإنسان نفسه.
وإذا كان الله سبحانه قد جعل تغيير الإنسان لنفسه شرطًا لتغيّر حاله، فمن باب أولى ألا يدّعي البشر أنهم يملكون تغيير غيرهم.
وهذا الفهم لا ينفي أهمية الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، بل يحدد دورها الحقيقي.
فالمربي، والمعلم، والقائد، والطبيب، جميعهم يهيئون البيئة، ويقدمون المعرفة، ويصنعون الفرص، لكن قرار الاستجابة يظل قرارًا شخصيًا.
واللافت أن ما توصلت إليه العلوم السلوكية الحديثة ينسجم مع هذا المعنى؛ إذ تؤكد أن الإنسان لا ينتقل إلى مرحلة جديدة إلا عندما يصبح مستعدًا لها نفسيًا.
كما تذهب نظرية تقرير المصير إلى أن الإنسان يكون أكثر قدرة على التعلم، والإنجاز، والاستمرار في السلوك الإيجابي عندما يكون الدافع نابعًا من داخله، لا مفروضًا عليه من الخارج.
وترى هذه النظرية أن ازدهار الدافعية الذاتية يتطلب إشباع ثلاث حاجات نفسية أساسية: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء.
وكلما أُشبعت هذه الاحتياجات ارتفعت جودة الأداء، وزاد الالتزام، وتحسنت الصحة النفسية.
لذلك يُعد الدافع الداخلي العامل الأكثر تأثيرًا في استدامة التغيير، بينما لا يدوم التغيير القائم على الضغط الخارجي إلا لفترة محدودة.
وحتى أساليب الإرشاد الحديثة، مثل الحوار التحفيزي، لا تقوم على إقناع الناس بالقوة، وإنما على مساعدتهم في اكتشاف دوافعهم الذاتية.
إن إدراك هذه الحقيقة يخفف كثيرًا من الإحباط؛ فلا تحمل نفسك مسؤولية قرارات الآخرين، ولا تظن أن نجاحهم أو إخفاقهم دليل على نجاحك أو فشلك.
دورك أن تنصح، وتعلّم، وتساند، وتفتح الأبواب، أما عبور العتبة فلا يملكه إلا صاحبها.
القادة ليسوا صُنّاع إرادات، بل صُنّاع فرص.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقدموه للآخرين ليس تغييرهم، وإنما توفير بيئة تساعدهم على أن يغيّروا أنفسهم عندما يقررون ذلك.
وما بين الفرصة والقرار مساحة لا يملؤها إلا الإنسان بإرادته، ثم بتوفيق الله.
@maryamhamadi.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك