عمان - فيما أصدرت الحكومة أمس تعميما ينظم استخدام برامج وأدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الشعارات الوطنية والأعلام والرايات والرموز السيادية والصور والأختام الرسمية، بهدف حمايتها من أي تعديل أو معالجة قد تمس أصالتها أو سلامتها أو صفتها الرسمية، اعتبر خبراء أن هذا التعميم جاء ليعكس توجها رسميا نحو تعزيز حماية هذه الرموز.
وأكدوا أن القرار يشكل استجابة للتحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما يتيحه من إمكانات متقدمة قد تُستخدم في إنتاج أو تعديل محتوى يبدو مطابقا للأصل، الأمر الذي يستدعي وضع ضوابط قانونية وتنظيمية واضحة لحماية الهوية الوطنية والثقة بالمحتوى الرسمي.
وفي الوقت ذاته، شددوا على أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة تخدم الحقيقة والمصلحة العامة، وألا يتحول إلى أداة للتضليل أو بديلا عن الدور البشري في التحقق من المعلومات وصياغتها بمهنية.
تعقيبا على ذلك، ثمّن نقيب الصحفيين الزميل طارق المومني القرار الحكومي، خصوصا فيما يرتبط بتوظيف الصور أو المحتوى المرتبط بالرأي العام الأردني بطريقة قد تُظهره على غير حقيقته.
وأكد المومني أن هناك شواهد سابقة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى لا يعكس الواقع كما هو، الأمر الذي يستدعي قدرا كبيرا من الحذر والانتباه عند التعامل مع هذه التقنيات، خصوصا في المجال الإعلامي.
وشدد على أن نقابة الصحفيين تدعم التطور العلمي والتكنولوجي، وترحب باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المجالات التي تسهم في تحسين العمل الإعلامي والتحريري، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى تشويه الحقائق أو تقديم صورة غير دقيقة للواقع.
واعتبر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة مساندة للإنسان، لا بديلا عن العنصر البشري الذي يمثل الركيزة الأساسية في أي عملية إعلامية أو مهنية.
وقال المومني إن التكنولوجيا ينبغي أن تُسخَّر لخدمة الإنسان وتعزيز جودة العمل، لا أن تحل محل الدور البشري في التحقق من المعلومات وتقديمها بمسؤولية.
وأشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يسهم أحيانا في نشر معلومات غير صحيحة أو مضللة، وهو ما يستوجب وضع ضوابط واضحة تحول دون استغلال هذه التقنيات في التضليل أو نشر معلومات تفتقر إلى الدقة والمصداقية.
وأكد أن الصحافة تقوم في جوهرها على البحث عن الحقيقة وتقديم المعلومات الدقيقة للجمهور، مشددا على ضرورة توظيف التقنيات الحديثة بما يخدم هذه الغاية، وبما يحافظ على القيم المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي.
وأضاف المومني أن نقابة الصحفيين تقف إلى جانب القرار الحكومي في هذا الاتجاه، باعتباره خطوة تهدف إلى تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي بما يحقق المصلحة العامة ويحمي المجتمع من مخاطر التضليل الإعلامي.
حماية الرموز ضرورة قانونيةبدوره، قال أستاذ القانون والخبير في تشريعات الجرائم الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والإعلام الدكتور أشرف الراعي، إن التعميم الحكومي يمثل خطوة متقدمة في بناء منظومة قانونية وتنظيمية تستجيب للتحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعكس إدراكا مبكرا للمخاطر التي قد تترتب على إساءة استخدام هذه التقنيات في المجالات المرتبطة بسيادة الدولة وهويتها الوطنية.
وأضاف الراعي: " لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتوليد النصوص أو تصميم الصور أو تطوير المحتوى الرقمي، بل أصبح قادرا على إنتاج شعارات وأعلام وأختام ووثائق وصور تبدو في كثير من الأحيان مطابقة للأصل، وهو ما يفرض على الدول وضع ضوابط قانونية واضحة تحول دون استخدام هذه الإمكانات في المساس بالرموز الوطنية أو تضليل الرأي العام أو انتحال الصفة الرسمية".
وأشار إلى أن الشعارات الوطنية والأعلام والرموز السيادية لا تمثل عناصر بصرية قابلة للتعديل أو الاجتهاد، وإنما تتمتع بحماية قانونية خاصة، لأنها تعبر عن سيادة الدولة وشرعية مؤسساتها، وتمثل جزءا من هويتها الدستورية والوطنية.
وتابع: " لذلك فإن أي تعديل يطرأ عليها باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مهما بدا محدودا من الناحية الفنية، قد يؤدي إلى تشويه دلالتها القانونية أو استغلالها في سياقات لا تعبر عن الموقف الرسمي للدولة".
وأكد أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل عمليات التزييف أكثر احترافية وسرعة وانتشارا، فلم يعد إنتاج صورة أو ختم أو شعار معدّل يتطلب خبرات تقنية متقدمة، بل أصبح متاحا بضغطة زر عبر تطبيقات يستخدمها ملايين الأشخاص حول العالم.
وقال: " هذا الواقع يفرض على المؤسسات العامة تعزيز وسائل التحقق من المحتوى الرسمي، ووضع معايير دقيقة لاستخدام الرموز الوطنية داخل البيئة الرقمية".
وأضاف الراعي أن أهمية هذا التعميم لا تكمن فقط في حماية الشكل الخارجي للرموز الوطنية، وإنما في حماية الثقة العامة بالمحتوى الرسمي الصادر عن مؤسسات الدولة.
فالمواطن، عندما يشاهد شعارا رسميا أو علما أو ختما حكوميا، يفترض أن ما يرتبط به يعبر عن جهة رسمية معتمدة، وأي تلاعب بهذه الرموز قد يسهم في نشر معلومات مضللة أو إنشاء وثائق أو إعلانات أو حسابات مزيفة تنتحل الصفة الرسمية وتستغل ثقة الجمهور.
وأوضح الراعي أن العالم يشهد اليوم انتقالا من جرائم التزوير التقليدية إلى جرائم التزييف الرقمي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب تطوير التشريعات الوطنية بصورة مستمرة، بحيث لا تقتصر الحماية على الوثائق الورقية، وإنما تمتد إلى الصور الرقمية، والمقاطع المرئية، والأصوات المصطنعة، والرموز والأختام الرسمية، وغيرها من الأدوات التي أصبحت قابلة للمعالجة أو الاصطناع بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن هذه الخطوة ينبغي أن تكون جزءا من سياسة وطنية متكاملة لتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، تقوم على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والاستفادة من التقنيات الحديثة من جهة، وحماية الأمن القانوني والثقة العامة والهوية الوطنية من جهة أخرى.
كما تتطلب هذه المرحلة تطوير آليات تقنية للتحقق من أصالة المحتوى الرسمي، وتعزيز الوعي المؤسسي والمجتمعي بمخاطر المحتوى المصطنع، وتحديث التشريعات بما يواكب التطورات المتسارعة في هذا المجال.
وشدد الراعي على أن الذكاء الاصطناعي سيبقى أحد أهم محركات التنمية والتحول الرقمي، لكن نجاح الدول لن يقاس فقط بمدى توظيفها لهذه التقنية، وإنما بقدرتها على وضع الأطر القانونية والتنظيمية التي تضمن استخدامها بصورة مسؤولة، وتحول دون استغلالها للإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بالرموز الوطنية أو تقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك