في السادس من هذا الشهر، نشر موقع مجلة «فورين أفيرز» مقالًا للكاتبين عاموس يدلين وأفنير غولوف، بعنوان «كيف ننقذ التحالف الأميركي-الإسرائيلي» How to Save the U.
S.
-Israeli Alliance.
ويلخص العنوان الفرعي المطلب الأساسي لكاتبين: «إذا حصلت إيران على اتفاق مع أميركا، فيجب أن تحصل إسرائيل على اتفاق أيضًا».
اضافة اعلانعاموس يدلين هو لواء احتياط في سلاح جو الكيان، ورئيس سابق لشعبة استخباراته العسكرية (أمان)، وهو من أبرز خبراء الأمن القومي والإستراتيجية في الكيان.
وأفنير غولوف هو باحث بارز في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية للكيان، سبق أن شغل منصب المدير الأول للسياسات في مجلس الأمن القومي للكيان.
وبالحكم من خلفيتيهما، يمكن قراءة أطروحتهما باعتبارها تعبيرًا عن اتجاهات العقل الإستراتيجي الذي يحكم رؤية الكيان لمستقبل الشرق الأوسط، وعن طبيعة العلاقة التي يريد ترسيخها مع الولايات المتحدة.
وهما يستخدمان إيران في مقالهما كمثال لإيضاح هذه الرؤية، بينما تتعلق قضيتهما الأساسية بمن يملك حق رسم موازين القوة في الإقليم، ومن يحدد حدود الحركة لبقية دوله.
يؤكد الكاتبان على أطروحة معروفة لكل ذي صلة: أن الكيان ينبغي أن يبقى القوة الوحيدة التي تتمتع بتفوق عسكري واستخباراتي وتقني حاسم، وأن أي تحول يفضي إلى ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق يشكل تهديدًا إستراتيجيًا يستوجب الاحتواء.
وعندما يعترض الكيان على البرنامج النووي الإيراني، فإن ذلك لا ينفصل عن الاعتراض على شبكة النفوذ التي بنتها طهران، أو على قدراتها الصاروخية، أو على حضورها السياسي في عدد من الساحات العربية.
وتكمن المعضلة الأوسع إطارًا، في نظر الكاتبين، في تراكم عناصر القوة لدى خصم إقليمي يستطيع مع الوقت أن يغير قواعد اللعبة.
للتعامل مع هذه المسألة، يدعو الكاتبان إلى إبرام «اتفاق موازٍ» بين واشنطن وتل أبيب يسبق أي تفاهم أميركي مع إيران.
وسوف يضمن هذا الاتفاق أن تبقى السياسة الأميركية منسجمة مع الرؤية الأمنية للكيان بحيث لا تفتح المفاوضات أو التسويات الإيرانية مدخلًا يسمح لطهران باستعادة قدراتها أو توسيع هامش نفوذها.
وبذلك، يصبح التحالف المطلوب مع الولايات المتحدة أداة لضبط خيارات واشنطن نفسها وعدم الاكتفاء ببقائها للدعم العسكري والسياسي.
في مجمله، يعبّر المقال عن فلسفة الكيان لإدارة الشرق الأوسط، التي تقوم على الردع المستمر، والضغط الاقتصادي، والعمل الاستخباراتي، والاستعداد الدائم لاستخدام القوة.
ويدعو الكاتبان إلى الإبقاء على العقوبات، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتوسيع الحضور العسكري الأميركي، وتطوير منظومات الدفاع الإقليمي بما يبقى على البيئة الإستراتيجية التي تضمن للكيان أفضلية دائمة.
لتدعيم موقف الكيان، يطالب الكاتبان بإعادة تقديم العلاقة مع الولايات المتحدة بحيث تصبح شراكة بين قوتين تتبادلان المنافع.
وبحسب منطقهما، يوفر الكيان لواشنطن قدرات استخباراتية وعسكرية تقلل حاجتها إلى التدخل المباشر في المنطقة، بينما توفر الولايات المتحدة التمويل، والتكنولوجيا، والمظلة السياسية والدبلوماسية.
لكن هذا المطلب يتجاهل حقيقة أن التفوق العسكري للكيان يعتمد أساسًا على الدعم الأميركي، وأن ما يريده صناع القرار في تل أبيب هو استمرار هذا الدعم، وإنما مع تقليص قدرة الإدارات الأميركية على التأثير في قرارات الكيان.
تجدر ملاحظة أن المقال لا يتحدث عن إيران باعتبارها استثناءً، وإنما باعتبارها النموذج الأوضح للمشكلة الأوسع.
في الأساس، لا تقبل الرؤية التي يعرضها الكاتبان بوجود أي قوة إقليمية مستقلة تمتلك أدوات الردع أو التأثير السياسي أو التفوق التقني خارج المظلة التي يقودها الكيان والولايات المتحدة.
وبالقياس، سوف تجد أي دولة عربية تنجح مستقبلًا في بناء قاعدة صناعية متقدمة، أو استقلال تكنولوجي، أو قدرة عسكرية مؤثرة، أنها أصبحت داخل الحسابات الإستراتيجية نفسها مهما بدت علاقاتها السياسية ملتزمة بأطر تحالف المصالح المتصوّر.
في المقابل، تركز النقاشات العربية على إبراز فرضية أن الصراع يدور بين قطبين حول ملفات محددة: البرنامج النووي الإيراني، أو نشاط مجموعات بعينها، أو أزمة أمنية طارئة.
وتتجاهل هذه النقاشات الأدبيات الإستراتيجية للكيان، التي تتعامل مع المنطقة وفق رؤية معلنة لتشكيل موازين القوة في الإقليم لعقود مقبلة، غايتها الأساسية فعل كل ما يلزم لمنع تشكل أي بيئة تسمح بظهور منافس إقليمي يمتلك عناصر الاستقلال والقدرة على التأثير.
بذلك، يعني الاعتقاد بأن تطبيع الكيان في المنطقة، أو تغير الإدارات الأميركية، أو تقاطع المصالح في بعض الملفات، سوف يؤدي تلقائيًا إلى نظام إقليمي أكثر توازنًا، تجاهل طبيعة المشروع الذي تعبر عنه كتابات إستراتيجيي الكيان.
وسوف يعني ترويج فكرة أن الكيان يعمل لإدارة خلاف مع خصم إقليمي محدد التغييب المتآمر على الذات لحقيقة أنه يعمل لترسيخ بنية إقليمية تجعل تفوقه وتسلطه على الإقليم حقيقة دائمة يتعذر تحديها.
كيف يستجيب العرب، إذا ما امتلكوا الشجاعة لمواجهة حقيقة الكيان ومساعيه المعلنة لضمان إخضاعهم؟ ليس بإنفاق المليارات التي تمول المجمع الصناعي العسكري الغربي، ولا بانتظار تحولات شبه مستحيلة في السياسة الأميركية.
ينبغي البدء بإعادة بناء مفهوم القوة ذاته.
ومراكز القوة في عالم اليوم تنتجها الجامعات، ومراكز البحث، والصناعة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والمؤسسات القادرة على اتخاذ القرار المستقل.
وما لم يصل أصحاب القرار إلى قناعة بضرورة تحويل العالم العربي إلى فضاء للتكامل الاقتصادي والعلمي والتقني، سوف تواصل الفجوة في موازين القوة الاتساع مهما تبدلت التحالفات والظروف السياسية.
لا يتحدث مقال يدلين وغولوف عن فهم كاتبين يعالجان أزمة عابرة بقدر ما يعبر عن مشروع طويل الأمد وواضح العناصر والغايات لإدارة الشرق الأوسط وفق ميزان قوى يحتكر فيه الكيان الاستعماري العدواني عناصر التفوق، بينما تعمل الولايات المتحدة على توفير البيئة الدولية الضامنة لاستمرار هذا التفوق.
وفي مواجهته، ينبغي أن يتصدى العرب للسؤال المركزي الذي لطالما سعوا إلى تجنبه: كيف يمكن أن نبني، خلال العقدين المقبلين، عناصر قوة عربية تجعل الإقليم أقل قابلية لاحتكار أحد النفوذ عليه وأكثر قدرة على إنتاج توازناته بنفسه؟ سوف تحدد الإجابة عن هذا السؤال مستقبل العرب في المنطقة أكثر مما ستحدده أي تحركات وترتيبات يديرها الآخرون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك