عمّان- في وقت تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، وتعيد تطبيقات الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الوظائف والمهن في العالم، ما تزال الجامعات الأردنية تخوض معركة مستمرة للتخلص من إرث التخصصات الراكدة والمشبعة التي راكمت على مدى سنوات آلاف الخريجين الباحثين عن فرص عمل محدودة.
اضافة اعلانوبينما تتجه الأنظار إلى التخصصات المستقبلية المرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، يبرز سؤال جوهري هو: هل اقتربت الجامعات الأردنية من طي صفحة التخصصات الراكدة نهائياً؟ أم أن سوق العمل يتغير بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الأكاديمية على مواكبته؟وتشير مراجعة القرارات الرسمية في السنوات الأخيرة إلى أن الدولة بدأت بالفعل باتباع سياسة تدريجية لمعالجة الخلل بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، ففي العام 2019 فرض مجلس التعليم العالي قيوداً على أعداد المقبولين في عدد من التخصصات المصنفة" راكدة ومشبعة"، قبل أن تتصاعد الإجراءات في العام 2022 عندما قرر المجلس تخفيض أعداد المقبولين في هذه التخصصات بنسبة 50 %، استناداً إلى مؤشرات العرض والطلب في سوق العمل.
ولم تقتصر الإجراءات على تقليص القبول، بل امتدت إلى إيقاف القبول في 42 تخصصاً بالجامعات الرسمية، في خطوة هدفت إلى الحد من تخريج أعداد تفوق احتياجات السوق الفعلية.
كما واصلت وزارة التعليم العالي والجامعات، تطبيق هذا النهج في السنوات اللاحقة عبر إعادة النظر بالطاقة الاستيعابية للتخصصات التي تعاني فائضاً في الخريجين وضعفاً في فرص التشغيل، مقابل التوسع في برامج أكاديمية جديدة، مرتبطة بمتطلبات الاقتصاد الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلم البيانات والتكنولوجيا المالية وإنترنت الأشياء والطاقة المتجددة.
وبين قرارات التقليص والإغلاق من جهة، واستحداث تخصصات المستقبل من جهة أخرى، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تسير الجامعات نحو إنهاء أزمة التخصصات الراكدة بصورة نهائية، أم أن التطورات المتلاحقة في سوق العمل ستفرض عليها سباقاً دائماً لإعادة تعريف التخصصات المطلوبة وتلك التي فقدت جدواها؟ويرى مراقبون تحدثوا لـ" الغد" كل على حدة، أن نجاح هذه الإجراءات لا يقاس بعدد التخصصات التي أُغلقت أو خفضت مقاعدها حسب، بل بمدى قدرة الجامعات على إدراك احتياجات سوق العمل المستقبلية.
فالتحدي حاليا بالنسبة إليهم، لا يتمثل فقط بإنهاء التخصصات الراكدة الحالية، بل بتجنب إنتاج تخصصات راكدة جديدة في السنوات المقبلة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم نتيجة التطور التكنولوجي، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
الخبير في التعليم العالي د.
هيثم عريفج، يرى أن قضية التخصصات الراكدة لا ترتبط بالتعليم العالي وحده، بل تعكس تحديات أوسع تتعلق بواقع سوق العمل، وارتفاع معدلات البطالة في الأردن، إضافة إلى غياب الدراسات المتخصصة والمستقلة، القادرة على تقديم مؤشرات دقيقة وموثوقة حول احتياجات السوق الحالية والمستقبلية.
وبين عريفج، أن معالجة المشكلة لا تقتصر على إغلاق تخصصات أو استحداث أخرى جديدة، بل تتطلب تغييراً ثقافياً ومجتمعياً في النظرة إلى التعليم والعمل، لافتاً إلى أن المجتمع ما يزال متمسكاً إلى حد كبير بالوظائف والمهن التقليدية، المرتبطة بألقاب مثل الطبيب والمهندس، ما يدفع أعداداً كبيرة من الطلبة نحو تخصصات معينة، بغض النظر عن فرص التشغيل المتاحة فيها، مشددا في هذا السياق على أن الجامعات والمدارس، مطالبة بدور أكبر في نشر ثقافة مهنية جديدة، تقوم على توجيه الطلبة نحو التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وليس فقط تلك التي تحظى بمكانة اجتماعية.
ويؤكد عريفج أنه من الضروري ربط تقييم الجامعات واعتمادها بمعدلات تشغيل خريجيها في سوق العمل، معتبراً أن قدرة المؤسسة التعليمية على توفير فرص حقيقية لخريجيها، يجب أن تكون أحد أهم مؤشرات نجاحها، مشيرا إلى أن بعض الجامعات تتجه أحياناً لاستحداث تخصصات استجابة لرغبات الطلبة والإقبال عليها أكثر من استنادها إلى دراسات علمية دقيقة لاحتياجات السوق، ما قد يؤدي إلى تكرار مشكلة التخصصات الراكدة مستقبلاً.
وأقر أن الجامعات بدأت في السنوات الأخيرة بالتوجه نحو التخصصات الحديثة والتقنية المرتبطة بالتحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، لكن هذا التوجه يرافقه تخوف من حدوث حالة إشباع في بعض هذه التخصصات إذا لم يستند التوسع فيها إلى دراسات دقيقة، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الابتعاد عن ردود الفعل الآنية، والانتقال لاستحداث تخصصات جديدة قائمة على دراسات علمية متخصصة، تتنبأ باحتياجات سوق العمل على المديين المتوسط والبعيد.
ويرى خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي معتصم الشريف، أن الحديث عن إنهاء التخصصات الراكدة في الجامعات على نحو نهائي، قد لا يكون دقيقاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، موضحاً بأن دورة حياة التخصصات أصبحت أقصر من أي وقت مضى.
وأشار الشريف إلى أن العديد من الوظائف التقليدية بدأت تتأثر بأدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، فيما تظهر في المقابل وظائف جديدة، مرتبطة بتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الناشئة.
وأكد الشريف أن التحدي الحقيقي أمام الجامعات، لا يكمن فقط بإغلاق التخصصات التي تعاني فائضاً في الخريجين، وإنما في بناء برامج أكاديمية مرنة وقابلة للتحديث المستمر، فالمهارات الرقمية أصبحت مطلباً أساسياً في مختلف القطاعات، حتى في التخصصات الإنسانية والإدارية.
ولفت إلى أن الجامعات التي ستنجح في السنوات المقبلة، هي تلك القادرة على دمج مهارات الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي وريادة الأعمال في مختلف برامجها، بدلاً من حصرها في تخصصات تقنية محددة.
فيما ترى مديرة الموارد البشرية والخبيرة في شؤون سوق العمل أمل بني هاني، أن الحديث عن إنهاء التخصصات الراكدة لا ينبغي أن يقتصر على إغلاق برامج أكاديمية، أو تخفيض أعداد المقبولين فيها، لأن المشكلة أعمق من ذلك وترتبط بطبيعة العلاقة بين منظومة التعليم العالي والتحولات الاقتصادية المتسارعة.
ونوهت بني هاني إلى أن سوق العمل كما هو الحال في العديد من دول العالم، يشهد تغيرات متلاحقة بفعل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، ما يجعل احتياجاته من المهارات والمؤهلات تتبدل بوتيرة أسرع من السابق، مشيرة إلى أن القرارات التي اتخذتها وزارة التعليم العالي ومجلس التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تخفيض القبول في التخصصات الراكدة والمشبعة، وإيقاف القبول في عدد من البرامج، تمثل خطوة مهمة لمعالجة اختلالات تراكمت على مدى سنوات طويلة، إلا أنها لا تشكل حلاً كاملاً للمشكلة.
ولفتت إلى أن النظرة التقليدية التي تربط فرص العمل بالتخصص الجامعي وحده لم تعد كافية، إذ أصبحت المؤسسات تبحث عن خريجين يمتلكون مهارات متعددة، تشمل القدرة على استخدام التكنولوجيا وتحليل البيانات والتواصل، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، إلى جانب امتلاك مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.
لذلك فإن بعض التخصصات التي كانت توصف سابقاً بأنها راكدة قد تستعيد جزءاً من أهميتها، إذا ما أُعيد تطوير خططها الدراسية وربطها بمتطلبات الاقتصاد الرقمي.
كما أشارت بني هاني إلى أن نجاح الجامعات في مواكبة سوق العمل يجب أن يقاس بمؤشرات أكثر دقة من أعداد الطلبة المقبولين، أو عدد التخصصات المستحدثة، مثل نسب تشغيل الخريجين خلال السنوات الأولى بعد التخرج، ومستوى الرواتب، ومدى رضا أصحاب العمل عن المهارات التي يمتلكها الخريجون، فهذه المؤشرات تعكس بصورة أوضح مدى قدرة البرامج الأكاديمية على تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني.
وختمت بقولها إن المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق، عبر بناء شراكة مستدامة بين الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية لرصد التحولات المستقبلية وتوجيه الطلبة نحو التخصصات والمهارات الأكثر قدرة على توفير فرص العمل في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك