بقلم: د.
أسامة محي الدين خليليمر السودان اليوم بواحدة من أكثر مراحله تعقيدًا، ولم يعد ممكناً الخروج من دائرة الحرب والانقسام إلا عبر مشروع وطني جامع يؤسس لدولة تستوعب جميع أبنائها.
وفي هذا السياق، تمثل المرتكزات التي طرحها الدكتور عبد الله حمدوك إطارًا يمكن البناء عليه، ليس لأنها تمثل رؤية شخص أو تيار، وإنما لأنها تتناول قضايا جوهرية تتعلق بالمواطنة، والعدالة، وإصلاح مؤسسات الدولة، والتنمية، والحكم الرشيد.
غير أن أي مشروع للمصالحة الوطنية يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا تحول إلى أداة للاستثناء أو الإقصاء.
فالتجارب السودانية، منذ الاستقلال، أثبتت أن الاتفاقات التي تُبنى على استبعاد طرف أو فئة لا تنتج سلامًا مستدامًا، بل تؤجل الأزمة إلى جولة جديدة من الصراع.
إن قوة أي رؤية وطنية تكمن في قدرتها على أن تكون مظلة للحوار، لا منصة لتبادل الاتهامات.
ولذلك ينبغي التعامل مع مرتكزات حمدوك باعتبارها مبادئ عامة قابلة للنقاش والتطوير، بعيدًا عن التفسيرات الضيقة التي تحولها إلى مواقف جامدة أو شروط مسبقة.
فحين تتحول التفاصيل إلى عقد يصعب تجاوزها، يصبح الخلاف حول التفسير أكبر من الاتفاق على الهدف، وتضيع فرصة بناء التوافق الوطني.
إن السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يشارك في صياغته الجميع دون إقصاء، مع الالتزام بمبادئ العدالة والمساءلة وسيادة القانون.
فالمصالحة لا تعني الإفلات من المسؤولية، لكنها أيضًا لا تعني استبعاد مكونات المجتمع أو القوى المؤثرة من عملية بناء المستقبل.
العدالة والحوار يجب أن يسيرا معًا، لأن أحدهما لا يغني عن الآخر.
إن المطلوب اليوم هو التوافق على الأسس الكبرى التي توحد السودانيين، وترك التفاصيل للحوار والمؤسسات الدستورية المنتخبة.
فالأوطان لا تُبنى بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بمنطق الشراكة الوطنية والإرادة المشتركة.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا للصراعات والانقسامات، ولم يعد يحتمل مزيدًا من الفرص الضائعة.
وإذا كانت مرتكزات إعادة تأسيس الدولة تمثل نقطة انطلاق مناسبة، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على استيعاب الجميع، بعيدًا عن الاستثناءات التي قد تتحول إلى معول يهدم الفكرة من أساسها.
فالمصالحة الوطنية الحقيقية ليست اتفاقًا بين المتشابهين، وإنما قدرة المختلفين على الاتفاق على مستقبل وطن يتسع للجميع.
وهذا هو الطريق الأقصر نحو دولة مستقرة، عادلة، ومدنية، يكون الانتماء فيها للسودان أولًا وأخيرًا.
osamamohyeldeen@gmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك