يقدم الأكاديمي الهولندي موريتس بيرغر في كتابه الصادر عن دار نشر جامعة لايدن عام ٢٠١٤ ولم يترجم للعربية، " تاريخ موجز للإسلام في أوروبا: ثلاثة عشر قرناً من العقيدة، والصراع، والتعايش"، أطروحة بالغة الأهمية تسعى لتفكيك تشابك العلاقة بين" الإسلام" و" أوروبا" في الراهن الثقافي والسياسي المعاصر والتي تبدو كأنها بؤرة توتر وجودية لا تكف عن توليد الأسئلة حول ماهية الذات، وحدود الآخر وجغرافيا الهوية الثقافية.
ولا يتوخى الكاتب في هذا العمل مجرد سرد وقائع تاريخية تراكمية، بل يطمح إلى صياغة كوة (تأويلية) نطل منها على الكيفية التي تم بها بناء" المتخيل الجمعي" الأوروبي عبر ثلاثة عشر قرناً من الاحتكاك المباشر وغير المباشر بالمسلمين.
ينطلق بيرغر من رصد الهوس المعاصر في الغرب بـ" المسألة الإسلامية"، وهو هوس يتغذى باستمرار على استدعاء انتقائي للتاريخ لتبرير مواقف سياسية وأيديولوجية راهنة.
هنا تبرز جدلية" الذاكرة الجمعية" بوصفها أداة لإنتاج الهوية عبر تزييف التاريخ أو أسطرته.
فالذاكرة الجمعية، كما يحللها الخطاب النقدي الفلسفي، ليست تسجيلاً أميناً للماضي، بل هي عملية إعادة بناء مستمرة تهدف إلى توفير شعور بالوحدة والخصوصية للجماعة البشرية في حاضرها، بغض النظر عن مدى دقة الحقائق التاريخية المستدعاة.
ومن هذا المنطلق، تصبح محاولات تأصيل هوية أوروبية خالصة عبر شعارات مثل" الحضارة اليهودية-المسيحية" نوعاً من الهندسة الأيديولوجية التي تسعى لرسم حدود إقصائية صلبة ضد الإسلام، متجاهلةً القرون المديدة من التداخل العضوي والتثاقف الحضاري الذي أسهمت فيه المكونات الإسلامية، واليونانية، والرومانية، والعثمانية على حد سواء في صياغة الفضاء الأوروبي.
يتجلى هذا التوتر المعرفي بوضوح في السجال الفكري بين قطبين من مؤرخي الإسلام، حيث يمثل برنارد لويس الأطروحة القائلة بالصراع السرمدي والتمايز الجوهري بين حضارتين تصادمتا منذ اللحظة الأولى، في حين يطرح ريتشارد بوليت رؤية بديلة ترى في الإسلام والمسيحية" شقيقين" خرجا من مهد حضاري مشترك وتفرقا في مرحلة لاحقة.
إن انحياز الوعي الأوروبي السائد، لاسيما بعد تحولات الحادي عشر من سبتمبر، لأطروحة الصراع يعكس قوة" الذاكرة الجمعية" وقدرتها على تغييب الحقائق التاريخية لصالح الأساطير المؤسسة للهوية.
ومن هنا، يضع بيرغر نصب عينيه مهمة مزدوجة: الكشف عن الفجوات المعرفية والمسكوت عنه في هذه الذاكرة، وتقديم سردية شاملة تتجاوز النظرة الغربية المتمركزة حول الذات لتشمل مناطق جغرافية وتاريخية أُهملت طويلاً في الأدبيات السائدة.
تفكيك الثنائيات ورسم الحدود المفاهيميةيقيم موريتس بيرغر أطروحته على إطار منهجي صارم يهدف إلى ضبط المفاهيم لتفادي السقوط في فخ التعميمات التي تسم السجالات المعاصرة.
وأولى الخطوات في هذا المسار هي تفكيك المفهومين اللذين يشكلان عنوان الكتاب: " أوروبا" و" الإسلام".
إن تعريف" أوروبا" يطرح معضلة جغرافية وفلسفية، فإذا ما جرى تعريفها بوصفها وريثة الكومنولث المسيحي القروسطي، فإن ذلك يثير إشكالية دمج الأرثوذكسية الشرقية وامتداداتها الجغرافية.
وإذا ما اعتُمد التعريف المؤسساتي المعاصر المتمثل في الاتحاد الأوروبي، فإننا نقع في ضيق جغرافي يقصي دولاً مثل سويسرا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، ودول البلقان.
لذلك، يختار الكاتب تعريفاً جغرافياً مرناً تحده البحار والمجاري المائية الكبرى، مما يتيح له إدراج أوروبا الشرقية والبلقان والبلطيق في صلب دراسته، وهي مناطق شهدت تفاعلاً حياً ومديداً مع الإسلام غالباً ما تم تجاهله في السرديات التي تركز حصراً على غرب أوروبا.
أما مفهوم" الإسلام"، فيفككه الكاتب إلى أربعة أبعاد متمايزة ومتداخلة في آن معاً ليتجنب التعامل معه ككتلة صماء لا تاريخية.
البعد الأول هو البعد البشري المتمثل في" المسلمين" كأفراد وجماعات وقوى سياسية عاشت على الأرض الأوروبية لقرون، سواء كحكام في الأندلس وصقلية والبلقان، أو كرعايا تحت حكم غير إسلامي في بولندا وليتوانيا وإسبانيا الكاثوليكية، أو كمهاجرين في العصر الحديث.
البعد الثاني هو الإسلام بوصفه" حضارة وثقافة" أنتجت مؤسسات مادية كالمساجد والمستشفيات، ونظماً إدارية وقانونية، وإنجازات علمية وتقنية انتقلت إلى الفضاء الأوروبي.
والبعد الثالث هو الإسلام كـ" عقيدة ودين"، بينما يتمثل البعد الرابع والأخير في الإسلام كـ" صورة وتمثّل ذهني" في وعي الآخر الأوروبي.
تأسيساً على هذا التفكيك المفاهيمي، يجترح بيرغر ثنائية بالغة الأهمية والخصوبة التحليلية: " الإسلام العيني" (المادي) في مقابل" الإسلام المتخيل".
يشير الإسلام العيني إلى الوجود المادي الفعلي للمسلمين ومؤسساتهم وحروبهم وتجارتهم وعلاقاتهم الدبلوماسية على التراب الأوروبي.
أما الإسلام المتخيل، فهو الصورة الذهنية، والأساطير، والجدالات اللاهوتية، والمخاوف، والإسقاطات التي صاغها العقل الأوروبي حول الإسلام، والتي كانت في كثير من الأحيان تنفصل تماماً عن الواقع التاريخي الفعلي لتلبي احتياجات داخلية تتعلق بتعريف الذات الأوروبية وتماسكها.
ومن خلال تتبع هذين المسارين عبر خمس مراحل تاريخية رئيسية، وعبر ثلاثة محاور كبرى هي الدين والتسامح وصناعة الآخر، يسعى الكتاب إلى تقديم تأويلية تاريخية تاريخية تكشف كيف أسهم" المتخيل" في صياغة" الواقعي" وكيف وظف" الواقعي" لخدمة" المتخيل".
في المرحلة الأولى التي يصفها الكاتب بأوروبا" غير المتحضرة" أو البدائية، كان التباين الحضاري بين الإمبراطورية الإسلامية الصاعدة والفضاء الأوروبي المجزأ في ذروته.
في الوقت الذي كانت فيه الخلافة الإسلامية تشهد طفرة علمية وعمرانية وفلسفية كبرى، كانت أوروبا الغربية تعيش في ظلمات القرون الوسطى، مفتقرة إلى البنى الإدارية والحضرية المتطورة.
في هذا السياق، لم يكن الإسلام بالنسبة للأوروبيين مجرد خطر عسكري، بل كان صدمة حضارية شاملة.
تمدد" الإسلام العيني" في هذه الفترة عبر ثلاثة فضاءات رئيسية: القسطنطينية والإمبراطورية البيزنطية التي شكلت خط الدفاع الأول، والأندلس التي تحولت إلى مركز حضاري مشع، وصقلية التي كانت جسراً ثقافياً وتجارياً حيوياً.
يناقش بيرغر في هذا الصدد مسألة العيش تحت الحكم الإسلامي بالنسبة للمسيحيين واليهود (أهل الذمة).
ويبين بكثير من التحليل الرصين أن مفهوم التسامح الإسلامي في ذلك العصر لم يكن يعني المساواة الحديثة، بل كان نظاماً قانونياً يمنح الحماية والحرية الدينية الذاتية مقابل الاعتراف بالسيادة الإسلامية ودفع الجزية.
ورغم التوترات الاجتماعية الدورية، فإن هذا النظام وفر استقراراً مكن المجتمعات غير المسلمة من الحفاظ على هوياتها ومؤسساتها، بل والمشاركة في الإدارة والحياة الثقافية.
بيد أن المساهمة النقدية الأبرز للكاتب في هذا الفصل تكمن في تفكيكه لـ" ميثولوجيا بلاط الشهداء" (معركة بواتييه عام 732م).
في الذاكرة الجمعية الأوروبية، تم تصوير هذه المعركة التي قادها تشارلز مارتل بوصفها اللحظة الحاسمة التي أنقذت المسيحية وأوروبا من الغزو الإسلامي الشامل.
يعيد بيرغر قراءة هذه الواقعة بأسلوب نقدي مستنداً إلى المصادر التاريخية المعاصرة لها، ليوضح أنها لم تكن في الواقع سوى مناوشة عسكرية محدودة أو حملة استطلاع وغنائم قام بها المسلمون، ولم تكن تهدف إلى فتح دائم لفرنسا.
إن تحويل هذه المعركة إلى ملحمة كبرى لإنقاذ الحضارة الغربية هو صنيعة مؤرخين في القرون اللاحقة أرادوا صياغة أسطورة مؤسسة للهوية الأوروبية الموحدة في مواجهة الخطر الخارجي.
هنا يتجلى" الإسلام المتخيل" في أوضح صوره: صناعة ميثولوجيا من حدث تاريخي عابر لتلبية شروط إنتاج الهوية الذاتية.
عودة الروح وصراع السيادة والاندماج القسريشهدت الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر تحولات بنيوية عميقة في القارة الأوروبية، حيث بدأت ملامح نهضة اقتصادية ودينية واضحة، تمثلت في نمو المدن، وتوسع شبكات التجارة، وتصاعد النفوذ الروحي والسياسي للكنيسة الكاثوليكية.
هذا الانبعاث الأوروبي تُرجم جغرافياً وسياسياً إلى حركة توسعية هجومية ضد العالم الإسلامي، تجسدت في الحروب الصليبية في المشرق، وحركة الاسترداد (Reconquista) في شبه الجزيرة الأيبيرية.
هنا، تحول الوجود الإسلامي في مناطق مثل الأندلس وصقلية من موقع السيادة إلى موقع التابع والخاضع للسيادة المسيحية الجديدة.
يرصد بيرغر ببراعة التحول التراجيدي في وضعية المسلمين الذين بقوا تحت الحكم المسيحي (المدجنين).
فبعد فترة أولى من التسامح القائم على الفصل الاجتماعي المنظم والاعتراف ببعض الحقوق الدينية والقانونية للمسلمين، قادت النزعة الخلاصية والاندفاعة الأيديولوجية للممالك المسيحية المنتصرة إلى تدمير صيغة" التعايش" (Convivencia) الشهيرة.
تحول الأمر تدريجياً من التسامح البراغماتي إلى سياسات الاندماج القسري، والتنصير الإجباري، ومحاصرة الهوية الثقافية للمسلمين، وهو المسار الذي بلغ ذروته المأساوية في نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر مع سقوط غرناطة وإنشاء محاكم التفتيش.
على صعيد" الإسلام المتخيل"، كانت هذه الفترة خصبة بإنتاج اللاهوت الدفاعي والسجالي ضد الإسلام.
لم يعد الإسلام مجرد قوة عسكرية غامضة، بل أصبح موضوعاً للدراسة والترجمة بهدف دحضه وتفنيد عقائده.
تُرجم القرآن الكريم إلى اللاتينية لأول مرة في دير كلوني بهدف تسليح الجدل اللاهوتي المسيحي.
ومع ذلك، تكشف القراءة النقدية عن مفارقة مذهلة: ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب اللاهوتي الرسمي يفيض بالعداء والتحريض ضد الإسلام كعقيدة منحرفة، كانت القنوات العلمية والتجارية تنقل الفلسفة والعلوم والتقنيات الإسلامية إلى قلب النهضة الأوروبية الناشئة.
كان العقل الأوروبي يمارس عملية فصل حادة بين" المحتوى المعرفي" للحضارة الإسلامية الذي تم تمثله واستيعابه بنهم، وبين" الهوية الدينية" التي وجب دحرها وشيطنتها.
تداخل التحالفات وسياسات الباب العاليدخلت أوروبا مع بداية القرن السادس عشر عصر التمزق الديني والسياسي الكبير بفعل حركة الإصلاح البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر، وصعود الدول القومية الحديثة التي بدأت تتحدى سلطة الكنيسة الكاثوليكية الشاملة.
تزامن هذا الانقسام الأوروبي الداخلي مع ذروة الصعود العسكري والسياسي للإمبراطورية العثمانية التي تغلغلت عميقاً في جنوب شرق أوروبا والبلقان، مهددة قلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
في هذه المرحلة، لم يعد الإسلام مجرد تهديد خارجي بعيد، بل أصبح لاعباً داخلياً أساسياً في التوازنات السياسية والدبلوماسية الأوروبية.
يتناول بيرغر في هذا السياق تجربة فريدة لـ" الإسلام العيني" تمثلت في الوجود الإسلامي في أوروبا الشرقية، وتحديداً تتار ليبكا في الكومنولث البولندي الليتواني.
حظي هؤلاء المسلمون بوضعية قانونية واجتماعية متميزة، حيث مُنحوا النبلاء حقوقاً وإقطاعات مقابل الخدمة العسكرية، ومارسوا شعائرهم بحرية في بيئة تميزت بنوع من التعددية الدينية النادرة في ذلك العصر مقارنة بغرب أوروبا الكاثوليكي الذي كان يمارس استئصالاً منظماً للموريسكيين (المسلمين الذين أُجبروا على المسيحية وبقوا يمارسون إسلامهم سراً) حتى طردهم النهائي عام 1609.
وفي البلقان، أقام العثمانيون نظام" الملل" الذي أتاح للمجتمعات المسيحية واليهودية حكماً ذاتياً واسعاً وإدارة شؤونها الدينية والقضائية الخاصة، مما أسهم في استقرار الحكم العثماني لقرون طويلة وتحول قطاعات واسعة من السكان المحليين إلى الإسلام (كما في البوسنة وألبانيا).
على الجانب الآخر، يكشف التحليل التاريخي للدبلوماسية في هذه الفترة عن تهافت أطروحة" الحرب الدينية" الصرفة.
فرغم الخطاب اللاهوتي العنيف ضد" الترك الكافر"، لم تجد فرنسا الكاثوليكية غضاضة في إقامة تحالف استراتيجي مع العثمانيين ضد هابسبورغ الكاثوليك، كما سعت الجمهورية الهولندية البروتستانتية إلى التحالف مع السطان المغربي ضد إسبانيا.
وهنا برز الشعار البروتستانتي الشهير" أتراك ولا بابويين" (Better Turkish than Papish)، الذي يعكس كيف كان الإسلام يُستدعى في السجال الداخلي الأوروبي.
فالبروتستانت رأوا في العثمانيين قوة تضمن الحرية الدينية لرعاياها مقارنة بالاستبداد الكاثوليكي، بينما استخدم الكاثوليك صورة" الترك" كأداة لوسم البروتستانت بالخروج عن الدين.
لقد أصبح" الترك" مرآة يعيد من خلالها الأوروبيون تعريف صراعاتهم الذاتية، متجاوزين ثنائية الدين لصالح المصالح السياسية والجيوسياسية المباشرة.
الاستعمار وتفكيك السلطنة وصناعة الشرق الساحر والمريضمع حلول القرن الثامن عشر، بدأت موازين القوى تميل بشكل حاسم لصالح أوروبا بفضل الثورة الصناعية، وتطور العلوم، وصعود العقلانية التنويرية، في مقابل تراجع وجمود الإمبراطورية العثمانية التي بدأت تفقد أراضيها تدريجياً وتتحول إلى" رجل أوروبا المريض".
انتقلت أوروبا من موقع الدفاع والتوجس إلى موقع الهجوم والسيطرة الاستعمارية الشاملة على العالم الإسلامي.
هذه التحولات العميقة أعادت صياغة التفاعل بين الطرفين، حيث أصبح" الإسلام العيني" في قلب أوروبا خاضعاً لمنطق التحديث القسري، ونظام الامتيازات الأجنبية، وصعود النزعات القومية في البلقان التي ترافقت مع عمليات تطهير عرقي وديني واسعة النطاق ضد السكان المسلمين هناك.
شهدت هذه الفترة أيضاً تزايداً في حركة الأفراد المسلمين نحو أوروبا الغربية، ليس كغزاة أو كتجار عابرين، بل كطلاب، ودبلوماسيين، ومجندين في الجيوش الاستعمارية، وناشطين سياسيين يبحثون عن ملجأ أو يسعون للتأثير في السياسات الأوروبية.
هذا الوجود المادي المحدود والمحكوم بمنطق الهيمنة الغربية، ترافق مع تحول جذري في بنية" الإسلام المتخيل" والتمثلات الذهنية الأوروبية.
يقسم بيرغر الوعي الأوروبي بالآخر الإسلامي في هذه المرحلة إلى حركتين متميزتين:الأولى في القرن الثامن عشر: وتتمثل في ظاهرة" التركيات" (Turquerie) والآخرية الشاملة أو الاحتوائية.
كان هناك نوع من الانبهار الجمالي والفني بالشرق وعوالمه السحرية، واستُخدمت صورة المسلم الحكيم أو المتسامح في أدبيات التنوير (مثل مونتسكيو وولتير) كأداة نقدية غير مباشرة لنقد الاستبداد السياسي والكنسي في أوروبا.
الثانية في القرن التاسع عشر: وتتزامن مع صعود الاستعمار والنزعة العرقية العلمية، وتتمثل في" الاستشراق" والآخرية الإقصائية.
هنا تم تصنيف الإسلام والشرق ككيان جامد، متخلف، عاجز عن التطور الذاتي، ومناقض جوهرياً للقيم العقلانية والتقدمية الأوروبية.
لم يعد الاستشراق مجرد ترف فكري، بل تحول إلى أداة معرفية لشرعنة السيطرة الاستعمارية وتبرير مهمة الرجل الأبيض في تمدين الشعوب المتخلفة.
عودة الإسلام العيني وقلق الهوية والقيم (1950-الآن)تمثل المرحلة المعاصرة، التي تبدأ من منتصف القرن العشرين، ذروة التعقيد والمأزق الوجودي في العلاقة بين أوروبا والإسلام.
فمع نهاية الاستعمار المباشر وحاجة أوروبا لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت موجات هجرة واسعة النطاق للمسلمين من المستعمرات السابقة والبلدان الصديقة (مثل تركيا والمغرب والجزائر وشبه القارة الهندية) نحو قلب أوروبا الغربية.
تحول الإسلام من كونه خطراً خارجياً أو ظاهرة استعمارية بعيدة إلى مكون داخلي أصيل ودائم في النسيج المجتمعي الأوروبي.
هذا الانتقال للإسلام العيني من الأطراف إلى المركز أثار، ولا يزال، نقاشات حادة حول الاندماج، والمواطنة، والسيادة الثقافية.
يرصد بيرغر كيف تكشف مسألة حضور الإسلام في الفضاء العام الأوروبي (من خلال المساجد، والحجاب، والمطالبة بالحقوق الدينية) عن مأزق" العلمانية الأوروبية" ذاتها.
فالنماذج العلمانية المختلفة (مثل العلمانية الفرنسية الإقصائية الصارمة، أو النماذج الأنجلوسكسونية الأكثر مرونة وتعددية) تواجه صعوبة بالغة في استيعاب دين لا يفصل بشكل حاد بين العام والخاص، ولا يتناسب مع البنى التنظيمية الكنسية المألوفة للدولة الأوروبية.
يتحول النقاش في كثير من الأحيان من كونه صراعاً حول الحقوق الأساسية وحرية الاعتقاد إلى" صدام قيم" مفترض، حيث يُصوّر الإسلام كمهدد لقيم الديمقراطية، والمساواة بين الجنسين، وحرية التعبير.
وفي الفضاء المتخيل، تصاعدت موجات" الإسلاموفوبيا" وشيطنة المسلمين، لاسيما مع تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية المرتبطة بالتطرف الإسلاموي العابر للحدود، وأيضاً بفعل التوظيف السياسي المنظم من قبل تيارات اليمين المتطرف الصاعدة.
يعيد هذا الخطاب المعاصر إنتاج الصور النمطية القروسطية والاستشراقية القديمة، مقدماً إياها في لبوس لبرالي يدافع عن" القيم الغربية".
تصبح الهوية المسلمة موضوعاً للمراقبة الأمنية والتحكيم القيمي المستمر، مما يعيق إمكانية نشوء هوية أوروبية مسلمة متصالحة مع محيطها، ويدفع باتجاه مزيد من الاستقطاب والعزلة المتبادلة.
" أسلمة أوروبا" أم" أوربة الإسلام"؟في خاتمة هذا العمل الفكري يطرح موريتس بيرغر السؤال الإشكالي الأكثر إلحاحاً الذي يهيمن على السجالات الراهنة والمستقبلية: هل نحن بصدد عملية" أسلمة لأوروبا" كما تروج خطابات اليمين المتطرف ونظريات المؤامرة مثل" الاستبدال العظيم"، أم أننا نشهد مخاض ولادة" إسلام أوروبي" متصالح مع قيم الحداثة والعلمانية؟ من خلال استقرائه للأنماط التاريخية الممتدة عبر ثلاثة عشر قرناً، يميل الكاتب إلى تفكيك كلا السيناريوهين المتطرفين لصالح رؤية أكثر تركيبية وواقعية.
يبين بيرغر أن التخوف من" أسلمة أوروبا" يتجاهل الديناميكيات السوسيولوجية والواقعية المعقدة للمجتمعات المسلمة في أوروبا، وهي مجتمعات تتميز بتنوعها الإثني، واللغوي، والمذهبي، والسياسي، وتفتقر إلى أي شكل من أشكال القيادة الموحدة أو الأجندة المشتركة.
علاوة على ذلك، فإن الأجيال الجديدة من المسلمين الأوروبيين تشهد عمليات علمنة وتثاقف عميقة تجعل ممارستهم للدين تختلف جوهرياً عن الأشكال التقليدية السائدة في بلدانهم الأصلية.
إن الاندماج الصامت واليومي للملايين من المسلمين في الاقتصاد، والسياسة، والثقافة الأوروبية يكذب فرضية الصدام الحتمي والاستيلاء الديموغرافي.
في المقابل، فإن الحديث عن" أوربة الإسلام" أو صياغة" إسلام أوروبي" خالٍ من العناصر التقليدية ومفصل على مقاس الليبرالية الغربية يواجه بدوره تحديات حقيقية.
فالإسلام، كعقيدة وممارسة لاهوتية، يمتلك ثوابت وبنى نصية وتاريخية تجعل ترويضه التام ضمن القوالب العلمانية الغربية أمراً صعباً ومرفوضاً من قطاعات واسعة من المؤمنين به.
يرى الكاتب أن المستقبل لن يشهد انتصار أحد الطرفين على الآخر، بل سينتج صيغاً هجينة ومتعددة من التعايش والتفاوض اليومي المستمر حول الحدود والمساحات.
إن التاريخ الطويل للإسلام في أوروبا يعلمنا أن الصراع والتعايش لم يكونا مرحلتين متعاقبتين، بل كانا خيطين متداخلين في نسيج واحد، حيث كانت الحروب والجدالات اللاهوتية تسير جنباً إلى جنب مع التجارة، والتحالفات السياسية، والتبادل المعرفي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك