صنعاء 11 يوليو 2026 (شينخوا) مع إشراقة شمس الصباح على إسطبل العروبة للفروسية في العاصمة اليمنية صنعاء، يحرص أحمد الأحول على تعديل سرج أحد الخيول العربية الأصيلة برفق قبل أن يقوده إلى ساحة التدريب.
كان الأحول قد امتطى صهوة جواد للمرة الأولى وهو في السادسة من عمره، ولم يكن يتخيل آنذاك أن تلك اللحظة ستحدد مسار حياته بأكملها.
واليوم، يمتلك عدداً من الخيول في الإسطبل، بعدما تحولت هواية الطفولة إلى شغف دائم بحيوان يرى فيه تجسيداً لتاريخ اليمن وثقافته وهويته.
وقال الأحول" المرء لا يختار حب الخيل، فهذا الشعور يبدأ منذ الطفولة، وينمو مع الإنسان حتى يصبح جزءاً من هويته.
"غير أن حب الخيل في اليمن لم يكن يوماً أمراً سهلاً، ففي مختلف أنحاء البلاد، يجد مربو الخيول أن شغفهم بات مرتبطاً بمهمة أكبر تتمثل في حماية أحد أهم مكونات التراث اليمني الحي من آثار الحرب، فقد أدت سنوات الصراع والأزمة الاقتصادية إلى ارتفاع أسعار الأعلاف، وتعطل إمدادات الأدوية البيطرية المتخصصة، وتراجع برامج التربية، حتى أصبحت استدامة الخيول العربية الأصيلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
ومع احتفال العالم في 11 يوليو باليوم العالمي للخيل، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025، يرى مربو الخيول في اليمن أن الحفاظ على هذا الإرث لم يعد خياراً، بل أصبح شكلاً من أشكال الصمود الهادئ، ومعركة لا تتعلق بالبقاء فحسب، بل بحماية تراث يمتد لقرون.
ولا تزال رياضة الفروسية تحظى بشعبية في اليمن، ولا سيما في صنعاء، حيث تواصل عدة إسطبلات نشاطها، فيما تستمر عائلات كثيرة في تسجيل أبنائها في دورات تعليم الفروسية باعتبارها تقليداً ثقافياً ووسيلة لتعزيز الثقة بالنفس والانضباط، إلا أن الارتفاع المستمر في أسعار الأعلاف والأزمة الاقتصادية جعلا ممارسة الفروسية أكثر صعوبة بالنسبة لغالبية اليمنيين.
ويقول جمال الطويل، وهو مدرب مخضرم يعمل مع الخيول العربية الأصيلة منذ عام 1994، إنه ربما يكون الأكثر إدراكاً لحجم التحديات المتزايدة، فقد شهد توسع إسطبل العروبة من 27 حصاناً إلى 61 حصاناً اليوم، إلا أن الحفاظ على صحة هذه الخيول أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وقال" إنشاء الإسطبل أسهل من توفير كل ما يحتاجه الحصان داخله.
"وأوضح أن الأعلاف الأساسية، مثل الشعير والقمح والنخالة، أصبحت باهظة الثمن، فيما باتت الأدوية البيطرية المتخصصة بالخيول نادرة، الأمر الذي يضطر المدربين أحياناً إلى طلب المساعدة من زملائهم في بلدان أخرى بالشرق الأوسط.
وأضاف بصوت خافت" قد يعتقد البعض أن الجوع هو الخطر الأكبر، لكن كثيراً من الخيول تنفق بسبب غياب الطبيب البيطري المختص، أو لعدم توفر الدواء المناسب عند حدوث الحالات الطارئة.
"من جانبه، استذكر خالد أحمد، مدرب الفروسية وقفز الحواجز في الإسطبل، أن المغص، وهو اضطراب خطير قد يكون قاتلاً في الجهاز الهضمي، تسبب في نفوق أربعة خيول عربية أصيلة في الإسطبل خلال السنوات الأخيرة.
وحذر قائلاً" تراجع السلالات العربية الأصيلة أصبح واضحاً بشكل متزايد، وإذا فقدنا سلالة ذات قيمة، فقد يستغرق استعادتها أجيالاً كاملة.
"وأشار إلى أن التهجين غير المنضبط أسهم كذلك في تراجع النقاء الوراثي، مضيفاً" هذه الخيول ليست مجرد حيوانات ثمينة، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية لليمن، وتراث يستحق الحماية.
"ولا تقتصر هذه المعاناة على إسطبل العروبة، ففي أحد الإسطبلات الكبرى الأخرى في صنعاء، وصف مربي الخيول والفارس الماهر يحيى البيضاني واقعاً يطغى عليه شح الإمكانات، إذ أصبحت الأدوية التي كانت تستورد سابقاً بشكل اعتيادي من أوروبا شبه مستحيلة المنال، ما يدفع المدربين أحياناً إلى استخدام أدوية مخصصة للأبقار أو الأغنام.
وقال البيضاني" أحياناً نعرف المرض ونعرف العلاج المطلوب، لكن المؤلم أننا لا نجد الدواء المناسب.
"وأضاف أن حتى عمليات التناسل أصبحت أكثر صعوبة، إذ إن غياب أجهزة التشخيص المناسبة يجعل المدربين ينتظرون ما يقارب فترة الحمل الكاملة، التي تمتد نحو 11 شهراً، قبل أن يكتشفوا أن الفرس ليست حاملاً.
وأوضح قائلاً" في بلدان أخرى، قد يعرف المربون خلال أسابيع قليلة، أما هنا، فقد ننتظر قرابة عام كامل لنكتشف في النهاية أنه لن يولد مهر.
"وأشار البيضاني إلى أن سوء التغذية دفع بعض الخيول إلى أكل روثها، مما يعرضها لأمراض خطيرة في الجهاز الهضمي تؤدي غالباً إلى نفوقها.
ورغم كل ذلك، يؤكد أن الاستسلام لم يكن خياراً يوماً، قائلاً" راتبي متواضع، لكن جزءاً منه يذهب دائماً للخيول، فعندما يحب الإنسان الخيل حقاً، لا يعود الاهتمام بها مرتبطاً بالعائد المادي".
ويقول الطويل إن هذا الإخلاص نفسه يدفعه إلى البقاء إلى جانب الخيل المريضة أياماً، بل وأسابيع أحياناً، مضيفاً" أظل بجانبها حتى تقف على قدميها من جديد.
"وتُعرف الخيول العربية الأصيلة عالمياً بقدرتها على التحمل وذكائها ورشاقتها، وظلت عبر القرون أحد أبرز الرموز الثقافية في اليمن.
واليوم، يعتمد الحفاظ على هذا الإرث إلى حد كبير على مربين يواصلون رعاية خيولهم بإمكانات محدودة، ويبحثون عن الأدوية عبر الحدود، ويرفضون أن تندثر سلالات عمرها مئات السنين وسط غبار الحرب.
أما بالنسبة للأحول، فإن مسؤولية حماية هذا الإرث تقع على عاتق كل من ورث هذا التقليد، وقال" لا يمكنني أن أتخلى عن الحصان عندما تصبح الحياة صعبة، فحماية هذه الخيول هي في الحقيقة حماية لجزء من أنفسنا.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك