يسود اعتقاد في الصين أن السياسة الخارجية الأميركية الراهنة تشهد تحوّلاً نحو الواقعية البراغماتية، إذ تعيد تعريف أهداف واشنطن الاستراتيجية استناداً إلى القوة الأميركية، وتسعى إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة بشكل أكثر ملاءمة في عالم متعدد الأقطاب.
في هذا السياق، نقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، عن وو شين بو، عميد معهد الدراسات الدولية بجامعة فودان في شنغهاي، وهو باحث صيني بارز في الشؤون الأميركية، قوله إنه بعد المناورات التي أجرتها كل من بكين وواشنطن على حدة في الشرق الآسيوي، خلال العام الماضي، بالإضافة إلى عقلية السياسة الخارجية الواقعية لإدارة دونالد ترامببشكل عام، فإن العلاقات بين الجانبين تتجه نحو تطور يركز على إدارة الخلافات وتحقيق استقرار ديناميكي.
ولفت الأكاديمي الصيني إلى أن سياسة ترامب الخارجية" أميركا أولاً"، أدت من خلال إضعاف نظام التحالفات الأميركية التقليدي، والسعي نحو الأحادية، وتبني تدابير الحماية التجارية، إلى خلق مساحة استراتيجية وفرص دولية لصعود الصين، وقال إنه ينبغي لبكين أن تتصرف تجاه دولة لا تعتبرها شريكاً ولا صديقاً.
ما هي تحولات العلاقات بين الصين والولايات المتحدة؟شهدت العلاقات بين الصين والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، توترات شديدة على عدة جبهات من السياسة إلى العسكرة مروراً بالتكنولوجيا وقضايا التجسس، وصولاً إلى التجارة.
وكان ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، قد أطلق نهجاً جديداً في سياسته الخارجية تحت شعار" أميركا أولاً"، إذ فرض رسوماً جمركية باهظة على الواردات الصينية، مُبرّراً ذلك باختلالات الميزان التجاري بين البلدين، ومخاوف تتعلق بالأمن القومي الأميركي.
وردّت الصين بفرض رسوم جمركية مماثلة، وقد أدّت هذه الإجراءات العقابية والانتقامية إلى جانب حظر تصدير التكنولوجيا ومحاولة فصل سلاسل التوريد، إلى تحويل العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم من شراكة متحفظة إلى منافسة استراتيجية شرسة.
ومع ذلك فإن البلدين سعيا إلى تخفيف حدة الاحتكاك منذ مطلع العام الحالي، ما أفضى في النهاية إلى عقد قمة بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في العاصمة الصينية بكين منتصف مايو/أيار الماضي.
كانت هذه أول قمة مباشرة بين الرئيسين منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ زيارة ترامب السابقة في عام 2017، خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021).
واتفق الجانبان على رؤية جديدة لبناء علاقة صينية - أميركية بنّاءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي، وتمتد لتشمل السنوات الثلاث المقبلة والتي تغطي ولاية ترامب الثانية بشكل كامل.
ومن المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ، البيت الأبيض في 24 سبتمبر/أيلول المقبل، تلبية لدعوة من نظيره الأميركي.
جيانغ لي: أزمة الثقة الراهنة تتيح لبكين مساحةً أكبر لتوسيع نفوذها العالمي، وملء الفراغ القيادي الدولييقول أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، في حديث مع" العربي الجديد"، إنه مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية، شهد المشهد الجيوسياسي العالمي تحوّلات عميقة، بدءاً من فنزويلا وصولاً إلى إيران إلى جانب التعرفات الجمركية التي طاولت حتى حلفاء واشنطن.
ويضيف أنه مع ذلك، حافظت العلاقات الصينية الأميركية على استقرار شامل، مع تجنب الطرفين التدهور الذي قد يخرج عن نطاق السيطرة.
ويلفت جيانغ إلى أن سياسة ترامب الخارجية" أميركا أولاً"، أدت إلى زعزعة الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في الغرب وشرق آسيا وحتى منطقة الخليج العربي.
بالتالي، فإن أزمة الثقة الراهنة، تتيح لبكين مساحةً أكبر لتوسيع نفوذها العالمي، وملء الفراغ القيادي الدولي عبر دبلوماسيتها التي تقوم على أساس التعددية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
ويضيف أن تجاوز واشنطن القواعد التجارية عبر فرض تعرفات جمركية شاملة، أدى أيضاً إلى تقويض نظام التجارة العالمي، وهذا يعزز التعاون بين الدول الحليفة لها مع الصين التي تنتهج سياسات اقتصادية متكاملة وغير مشروطة على خلاف الولايات المتحدة، مما يضع الأخيرة في المركز والمحور الأساسي لسلسلة التوريد العالمية.
أيضاً على صعيد التنافس الثنائي بين الولايات المتحدة والصين، يقول جيانغ لي، إن القمع التكنولوجي الشديد الذي فرضته إدارة ترامب على بكين، أثار شكوكاً لدى صنّاع القرار بشأن اعتمادها على التقنيات الغربية الأساسية، وهذا أدى بدوره إلى إطلاق العنان لإمكانات النظام الوطني الصيني، مما دفع الصين إلى زيادة استثماراتها المستقلة في البحث والتطوير، خصوصاً في مجال الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
تشاو لونغ: الدول الغربية ستواصل إثارة منافسة أيديولوجية ضد بكين وستستمر في سعيها إلى احتواء صعودهارهانات الصين ووقائع العالمفي المقابل، يقلل الباحث في العلاقات الدولية المقيم في هونغ كونغ، تشاو لونغ، في حديث مع" العربي الجديد"، من تأثير صعود الصين وقدرتها على إحداث تحوّل في موازين القوى أو تغيير جذري في النظام الدولي القائم، موضحاً أن الدول الغربية ستواصل إثارة منافسة أيديولوجية ضد بكين، وستستمر في سعيها إلى احتواء صعودها من منظور قيمي.
وأشار إلى أنه لا يمكن للدول الغربية التخلي عن موقفها الثابت في انتقاد السياسات الخارجية الصينية وإدانتها لمجرد أن هناك خلافاً مع الإدارة الأميركية.
ويلفت إلى أن علاقات واشنطن بحلفائها مرّت بالعديد من المنعطفات، ومع ذلك استمر رواج نظرية التهديد الصيني حتى بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على نهاية الحرب الباردة.
ويعتبر تشاو أن أيديولوجية الدول الغربية وقيمها السائدة لن تقبل بشكل قاطع لا اليوم ولا غداً التزام الصين بنهجها الصارم ورؤيتها الأحادية لعالم متعدد الأقطاب، لأن هناك قناعة مشتركة بأن هذه الأفكار والرؤى التي يسوّقها صنّاع القرار في الحزب الشيوعي الصيني، لا تخدم إلا مصالحه الخاصة.
بالتالي، مهما شددت بكين على مفهومها للصعود السلمي والتعاون المربح لكل الأطراف، فسيكون من الصعب تغيير انتقادات الغرب وإدانته، بل وحتى استنكاره للصعود السلمي الذي يجري تسويقه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك