فسر الأمر كما يفرضه موقعك، المعرفي أو المؤيد والمعارض للسلطة بتركيا، فإن شئت أن ترى الخصخصة تحرر الدولة من عبء مواقع لا تعود بالنفع وشركات غير منافسة ولا تقدم إضافة، فهذا لك، بل ويمكنك تتبيعه بأن من غير المناسب لبلد يعتمد نهج اقتصاد السوق أن يبقي الدولة على ملكيات عقارية والحكومة على إنتاج سلع غذائية أو حتى الاستئثار ببورصة إسطنبول.
وأما إن نظرت بعين المعارض أو الناقد للسياسة الاقتصادية بتركيا، فيمكنك أن تقول إن أعباء الديون، الداخلية والخارجية أثقلت كاهل الدولة، وإن استمرار العجز بالموازنة والميزان التجاري، أرهق الحكومة التي لم تدخر، قبل موجة الخصخصة الجديدة، جهداً أو توفر طريقة، فباعت من الذهب الاحتياطي وزادت ديونها الخارجية وأعلنت وتعلن باستمرار، عن بيع سندات وأذونات لتؤمن، عبر دين داخلي، فوائد القروض ومستلزمات الإنفاق العام والاستمرار بالمشاريع التي تضعها بالشق الاستثماري بالموازنة السنوية.
بل ويمكن أن تضيف وتعيب على النهج الاقتصادي وبرنامج الإصلاح، والذي لم تنعكس طموحاته على الأرض وقائع، سواء على صعيد التضخم المتراوح عند 32%، وتراجع مستوى المعيشة، أو حتى تحسين سعر صرف الليرة المتراوحة عند 46 مقابل الدولار رغم رفع سعر الفائدة إلى 37%، بل يحق لك القول: إن تركيا تستمر، ومنذ أعوام، بالخط البياني المنخفض.
بعد عقدين من التطور والإنجازات أوصلاها لمجموعة العشرين ورفعا ناتجها عن 1.
5 تريليون دولار، ولم تجد من بد اليوم، للاستمرار وتحقيق الخطط، إلا بمورد بيع بعض ممتلكات الدولة والتخلي عن بعض المواقع الحكومية، الإنتاجية والخدمية وحتى التاريخية.
قصارى القول: ينسب التحول الاقتصادي والتوجه إلى الخصخصة بتركيا، إلى توركوت أوزال وحتى قبل أن يتبوأ مواقعه القيادية العليا، كرئيس للوزراء ومن ثم رئيساً للدولة، فتاريخ تركيا الحديث يقول إن ملامح الخصخصة التي أوجدها أوزال بدأت مع تسلمه منصب مستشار لرئيس الوزراء، سليمان دميريل ومن ثم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بين أعوام 1979 و1982، لكن القرارات التي أحدثت طفرة وتبدلاً بالواقع الاقتصادي التركي، بعد عمليات الخصخصة والانتقال الفعلي إلى اقتصاد السوق، بدأت بعد توليه رئاسة الوزراء عام 1983 ومن ثم رئيساً للبلاد، بين أعوام 1983 - 1993.
وقت أصدرت حكومته القانون 2983" الشهير بتركيا" والذي سمح، ولأول مرة، بنقل ملكية القطاع الحكومي والمنشآت العامة، إلى القطاع الخاص، قبل أن يقر البرلمان التركي" قانون الخصخصة" 3291 والذي فوّض الحكومة ببيع بعض المؤسسات المملوكة للدولة، لتتسارع الخصخصة منذ ذاك، عبر بيع حصص بالشركات الحكومية الكبرى بقطاعات الغزل والنسيج، الإسمنت وحتى القطاعات الخدمية والسياحية، وتطوى مع تلك القرارات مرحلة التحريم السياسي والاقتصادي من مدّ اليد على القطاع الحكومي.
ولكن التاريخ التركي المعاصر، يقول لنا أيضاً، إن عهد توركوت أوزال هو من كسر المحرمات ومهّد الطريق للخصخصة، لكن زمن" العدالة والتنمية" منذ عام 2003 وقت كان، رجب طيب أردوغان رئيساً للوزراء، هو الذي أقدم على القرارات الكبرى وجعل من الخصخصة استراتيجية صاغت ملامح الاقتصاد التركي حتى اليوم.
وربما الوضع الاقتصادي والمعيشي المترديان والتضخم الهائل وقتذاك" قبل إلغاء ستة أصفار من العملة" زادا من شرعية حكومة أردوغان للمضي بالخصخصة، لتعلن للداخل التركي والمستثمرين والمراقبين بالخارج، أن تركيا حسمت قرارها الاقتصادي وترحب بالاستثمارات والأموال، وسيقتصر دورها على إصدار القوانين والمراقبة والتنظيم.
مقدمة دلائل مادية بخصخصة قطاع المحروقات والطاقة، بعد الإسمنت والاتصالات والمصارف، تاركة بالطبع، بعض الأدوات والملكية الحكومية، سواء بشركة البترول الحكومية" تباو" أو ببعض المصارف" زراعات مثلاً".
نهاية القول: واليوم، واستمراراً لنهج لم يتوقف، أعلنت تركيا بالجريدة الرسمية، عن بيع عقارات ومواقع حكومية، خلال يوليو الجاري، في ست ولايات كبرى" إسطنبول، أنقرة، إسكي شهير سكاريا، ديار بكر وأنطاليا" معلنة الـ21 من الشهر الجاري، آخر موعد لتقديم مزايدات العروض التي سيتم البت بها، وفق أسلوب التفاوض.
وإعلان الخصخصة الشهر الجاري، ليس نادراً أو وحيداً يمكن ربطه بطارئ أو حاجة مالية أو رمي عبء عن كاهل الدولة، بقدر ما يمكن وصفه باستمرار نهج، بدأ منذ عام 2003 بطريقة علنية وواسعة، واستمر بوتائر متباينة حتى الآن.
فالشهر الماضي، على سبيل الذكر لا الحصر، وافقت إدارة الخصخصة بتركيا (ÖİB) على بيع أراض وعقارات ومبان، في ولايات تركية عدة، وعام 2018، أيضاً على سبيل الذكر، طرحت تركيا عام 2018 نحو 25% من بورصة إسطنبول للخصخصة وطرحت 14 مصنعاً حكومياً للسكر، للبيع.
بعد أن باعت 400 محطة تعبئة وقود ومرافق تخزين ومحطتين لتوليد الغاز المسال.
ما يدلل، وفق أمثلة الذكر لا الحصر، أن البيع ليس مخصصاً لقطاع أو محرماً على آخر، بل الرؤية الاقتصادية والحاجة المالية ورفد الصندوق السيادي بالأموال، هي، على الأرجح، محددات الخصخصة.
لكن، إن اتفقنا على أنّ الخصخصة خلال الأشهر الأخيرة، جاءت لتخفيف العجز والعبء المالي وتوفير سيولة عاجلة وإغراء رأس المال الخارجي ببعض الأصول الحيوية بتركيا، أليس من المنطق الاقتصادي، أن نتوافق، إن لم نتفق، على أن التمادي بالخصخصة سيؤثر على نسبة البطالة وينعكس على مستوى الأسعار، ليزداد التضخم وحاجة المستهلكين، فضلاً عن خسائر ملكيات عامة ربما تحتاجها تركيا، وإن بظل اقتصاد السوق، للتدخل وضبط الأسواق.
الأمر جدلي ولا شك، ولكل إجراء أنصار ومعارضون، لتبقى شروط الخصخصة التي قالت بخصوصها الجريدة الرسمية: إن البت بالعروض سيكون وفق أسلوب التفاوض، هي الفيصل.
والحوكمة والشفافية دليلا الحكم على خصخصة جديدة، سواء ما يتعلق بعدالة الأسعار أو حماية العمال والوظائف.
أو حتى، أين ستوّظف العوائد الناتجة عن بيع الأصول التركية الحكومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك