يتجه الصومال نحو تنظيم انتخابات مباشرة بعد عقود من انتخابات تقليدية، كان للزعامات القبلية فيها دور كبير في تحديد أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلسي الشعب والشيوخ) على مستوى الولايات والفيدرالية.
لكن بعد انتخابات البلديات التي شهدتها مقديشو في ديسمبر/كانون الأول الماضي، شهد الصومال ولادة عدد من الأحزاب للتنافس في الظفر بمقاعد العاصمة (390 مقعداً)، حيث تنافست ثلاثة أحزاب سياسية، وهي حزب كرامة، وحزب العدالة والتضامن برئاسة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، إلى جانب حزب" المساواة والعدالة" (سنعد).
وأعادت تلك الأحزاب ظاهرة انتشار الجمعيات السياسية إلى الواجهة، والتي عرفها الصومال في فترة الاستقلال، لكن معظم تلك الأحزاب كانت تختفي مع انتهاء فترة الانتخابات التشريعية والرئاسية.
وفي السياق، شهدت ولاية جنوب غربي الصومال الشهر الماضي انتخابات تشريعية ورئاسية، شاركت فيها مجموعة من الأحزاب السياسية، والتي انتهت بفوز مرشح حزب العدالة والتضامن، حيث فاز أدم مدوبي بأغلبية ساحقة وذلك بعد انسحاب مرشح الحزب المنافس له من الانتخابات بدعوى وجود خروق وانتهاكات في آليات تنظيم الانتخابات.
وقد سلط هذا الأمر الضوء على مخاوف تتعلق بنزاهة الانتخابات التي تنظمها الحكومة الفيدرالية في ظل عدم وجود لجنة انتخابية مستقلة ترى أعضاء المعارضة والأحزاب المنافسة أنها غير نزيهة.
ومن المتوقع أن يشهد إقليم جلمدغ في 20 يوليو/تموز الحالي انتخابات برلمانية ورئاسية.
وهي أول عملية انتخابية مباشرة في الولاية، وتمثل أيضاً ثاني انتخابات غير تقليدية تشهدها البلاد بعد الاعتماد على النموذج الانتخابي المباشر العام الماضي.
وتنحصر المشاركة الانتخابية في الأحزاب السياسية فقط، التي تقدم مرشحيها لخوض الانتخابات النيابية، وكذلك مرشحها لرئاسة ولاية جلمدغ منتصف هذا الشهر.
وشارك 20 حزباً وتنظيماً سياسياً في انتخابات المجالس المحلية لبلدية مقديشو (إقليم بنادر)، التي جرت في 25 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ويتوقع تزايد عدد تلك الأحزاب في الانتخابات المرتقبة.
ويوجد حالياً أكثر من 50 حزباً سياسياً معترفاً به رسمياً.
وتتأهل الأحزاب التي تحصل على 10% من أصوات الناخبين في الانتخابات المحلية المباشرة.
توسع عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية في الصومالويعد" كرامة" من بين الأحزاب التي رأت النور أخيراً.
ويقول نائب رئيس الحزب مسعود محمد جوتالي، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن الساحة السياسية في الصومال تشهد توسعاً في عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية، في ظل مساعي البلاد لترسيخ نظام التعددية الحزبية وتعزيز المشاركة السياسية، حيث تسعى هذه الكيانات إلى تقديم برامج ورؤى لمعالجة التحديات التي تواجه الدولة، وفي مقدمتها استكمال بناء المؤسسات، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحقيق التنمية.
ويشير جوتالي إلى أن حزب كرامة يعد أحد التنظيمات التي انضمت إلى المشهد الحزبي، ويعرّف نفسه بأنه تنظيم وطني تأسس للدفاع عن كرامة الشعب الصومالي، وصون حقوقه، والحفاظ على وحدة البلاد، انطلاقاً من رؤية تدعو إلى بناء قيادة سياسية قادرة على دفع الصومال نحو الاستقرار، وسيادة القانون، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية.
ويضيف: " سُجل لأول مرة لدى اللجنة المستقلة للانتخابات في يوليو/تموز 2020، قبل أن يُعاد تسجيله لدى اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود على المستوى الفيدرالي في مايو/أيار 2025، ليصبح واحداً من بين 61 تنظيماً سياسياً مسجلاً في البلاد".
ويوضح جوتالي أن تأسيس الحزب جاء بمبادرة من شخصيات تمثل شرائح مختلفة من المجتمع الصومالي، من بينها أكاديميون وعلماء وشيوخ مجتمع وشباب ونساء، مع إشارة خاصة إلى الدور الذي لعبته الأوساط التعليمية في إطلاق المشروع السياسي.
ويطرح" كرامة" نفسه باعتباره تنظيماً ذا رؤية وطنية، يهدف إلى تعزيز العدالة، واستعادة كرامة المواطن، وترسيخ وحدة الأمة الصومالية، ودعم جهود التنمية، إلى جانب المساهمة في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ما هي مبادئ حزب كرامة في الصومال؟ووفق جوتالي، فإن البرنامج التنظيمي للحزب يستند إلى عدد من المبادئ، أبرزها اعتبار الشريعة الإسلامية المرجعية الأساسية للدستور والتشريعات، والتمسك بوحدة أراضي الصومال وشعبه، وترسيخ قيم الحرية والمساواة والعدالة، ودعم النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.
كما يؤكد التنظيم في وثائقه التأسيسية رفض القبلية باعتبارها أحد أبرز التحديات أمام الدولة الصومالية، ويدعو إلى مكافحة الفساد، ونشر التعليم ومحاربة الجهل، وحماية الأسرة الصومالية وفق أحكام الشريعة الإسلامية، إلى جانب تبني سياسات تستهدف الحد من الفقر وتنمية الموارد الوطنية.
برنامج حزب" سنعد" في الصومالوفي السياق، يقول عبد الفتاح حسن أفرح، أمين عام" المساواة والعدالة" (سنعد)، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن الحزب أحد الأحزاب التي تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً وطنياً يهدف إلى الإسهام في بناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على سيادة القانون، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين، وتعزيز الحكم الرشيد، وصون الحقوق والحريات، ودعم الوحدة الوطنية، بما يحقق التنمية المستدامة والاستقرار.
ويستند البرنامج السياسي للحزب إلى مجموعة من الأولويات، تشمل ترسيخ نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ" شخص واحد، صوت واحد"، وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وبناء مؤسسات تتسم بالشفافية والمساءلة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
عبد الفتاح حسن أفرح: يقدم" سنعد" نفسه باعتباره مشروعاً سياسياً وطنياًوبحسب أفرح، يضع الحزب ضمن أولوياته تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم جهود المصالحة الوطنية، والحفاظ على التماسك المجتمعي، إلى جانب تنمية الاقتصاد الوطني عبر تشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتمكين الشباب، فضلاً عن تطوير قطاعي التعليم والصحة، وتحسين الخدمات العامة.
كما يؤكد الحزب أيضاً أهمية تمكين المرأة والشباب من المشاركة في الحياة السياسية وصنع القرار، وترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء، وحماية حقوق الإنسان، إلى جانب تعزيز علاقات الصومال الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح الوطنية ويحافظ على سيادة الدولة.
وبالإضافة إلى ذلك شارك في انتخابات المجالس المحلية وانتخابات مجالس ممثلي الحكومات في ولايات بونتلاند وجنوب غرب الصومال وإدارة إقليم بنادر، وحقق أكثر من 280 مقعداً، وهو ما يعتبره مؤشراً على اتساع قاعدته الشعبية.
كما أعلن تطلعه إلى توسيع حضوره في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ولا سيما في ولايتي جلمدغ وهيرشبيلي.
تقييم الأحزاب بناء على برامجها السياسيةوفي مواجهة التساؤلات المتكررة بشأن ما إذا كانت الأحزاب الجديدة تمثل إضافة حقيقية للحياة السياسية أم أنها مجرد واجهة للعملية الانتخابية التي تنظمها حكومة مقديشو، يرى أفرح أن تقييم الأحزاب ينبغي أن يستند إلى برامجها السياسية وأدائها على أرض الواقع، وليس إلى افتراضات مسبقة.
ويؤكد أن الحزب يعمل وفق برنامج سياسي ورؤية وطنية مستقلة، بعيداً عن الولاءات القبلية أو التبعية لأي جهة حكومية.
ويقول إنه يسعى للوصول إلى السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة تعكس إرادة الناخبين، أو القيام بدور المعارضة الوطنية إذا أفرزت نتائج الاقتراع ذلك، انطلاقاً من إيمانه بمبدأ التداول السلمي للسلطة واحترام خيارات الشعب باعتبارهما أساس أي نظام ديمقراطي.
تحديات عميقة أمام الأحزاب في الصومالوفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي والأكاديمي أويس حسين، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن الأحزاب السياسية في الصومال تواجه تحديات عميقة في ظل الخلافات المستمرة حول الانتقال إلى الانتخابات المباشرة والتعديلات الدستورية المثيرة للجدل، إذ يعمل معظمها في بيئة تتسم بغياب التوافق السياسي، وضعف المؤسسات الانتخابية، واستمرار تأثير الاعتبارات العشائرية، إلى جانب التحديات الأمنية ومحدودية التمويل والتنظيم.
وقد انعكس هذا الواقع على قدرة الأحزاب على ترسيخ حضورها بوصفها مؤسسات سياسية وطنية تمتلك برامج واضحة وقواعد جماهيرية مستقرة، ما جعل كثيراً منها أقرب إلى أطر تدور حول شخصيات سياسية أكثر من كونها أحزاباً مؤسسية راسخة.
أويس حسين: الأحزاب السياسية في الصومال تواجه تحديات عميقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك