" للأفق" (دار نيلسون، بيروت، 2026) عنوان صامت لمجموعة الشاعرة اللبنانية ليلى عساف، الغائبة منذ عقود في السعودية، إذ استمرت هناك تكتب وترسم.
في كتابها الصادر أخيراً يجد القارئ نصّاً يشي بما يحمله من تجربة متصلة.
نحن إزاءه نشعر أننا أمام عمل متمكّن ومتمرّس، له من النضج ومن الخصوصية ما يدلّ على أن له رؤيته وحساسيته، على أنّ له حياته في اللغة والفكر والخيال.
من الواضح أننا أمام نصّ يندرج بسهولة في نتاج الجيل الثاني أو الثالث للحداثة الشعرية، وله موقعه ونبرته وغناؤه الخاص.
القصيدة الأولى" أحوال الشجرة" يستوقفنا عنوانها، فالحالة والأحوال يُستعادان في عنوانين تاليين.
ثمّة ثلاث قصائد لها العنوان ذاته تقريباً" حالة"، و" أحوال رجل هادئ"، تتكرر الحالة والأحوال بحيث يتراءى لنا أنّهما، على نحو ما، موضوع الديوان.
ما تستدعيه الشاعرة هو هذا المقابل للذات، الذي يتمازج فيه الوقت والسرد والفكر والخيال واللغة.
نكاد نختصر كل ذلك في" اللغة"، لكن قراءة مطولة للديوان تجعلنا نشعر أن الكلام هنا لم يأت عفواً، أي إنه ليس من الدارج الشعري، من الإنشاء الشعري الذي يشكل فيضاً بلاغياً سرعان ما يقع الشعر فيه.
شعرُ عساف ليس من هذه الأغنيات القصيرة التي يتعجل الشعر الوصول إليها، أي إنه لا يُسرع إلى الشعر، شعر ليلى عساف بعكس ذلك يُحاذره ويتجنّبه عن عمد.
تتجنّب التجريب أو البناء من ألفاظ بلا مقابل وبلا واقعإنه ليس ذلك الشعر السهل الذي لا يطول الطريق إليه، ما تكتبه عساف ليس أيضاً الشعر الصعب، إنها لا تلوي اللغة ولا تعقدها.
ما تطلبه ليس الإنشاء، ولكن ليس الصنعة المغالية.
ما تريده ليس الشعرَ مظهراً، ولا الشعر أُحجيةً.
شعرها يتجنب التجريب والبناء من ألفاظ هوائية، من كلمات بلا مادة وبلا مقابل وبلا واقع.
إنها، من القصيدة الأولى" أحوال الشجرة" تحتفي بالعالم الحقيقي، بالأشياء.
لا أعرف إذا كانت عساف اطلعت على مجموعة" انحياز الأشياء" مجموعة الشاعر الفرنسي فرنسيس بونج التي كانت، من محل آخر، بياناً شعرياً.
في قصيدتها هذه كما في قصائدها التالية نجد هذا الانحياز" حياة تجري في النسغ، طائر يندس في الظلال".
وفي قصيدتها" الأيدي" نقرأ: " أيد تتوقف/ ولادة غير مكتملة/ لكوكب يذوب/ في هواء قذر".
في قصائد أُخرى نقرأ: " الغائبون، الدخان يعيد صدى ساعة لا تدق"، و" حذاء كأنه نهاية للشكوى"، و" قطرة ماء بكامل صلابتها للعراك".
وفي قصيدة" لوحات للأفق"، تكتب: " هو البحر يصير ظلّاً يستريح في فردة حذاء"، و" على المائدة فكرة صفراء/ طارت من رأس امرأة"، و" تتمرّغ حبات فاصوليا/ عندما أرغب فيك"، و" سؤال يتبعه سؤال/ إجاباتي الغبية أيضاً/ أجنحتي"، و" تصحو ككتلة غير مستوية تكظم هاءً أثقل من فيل".
وكذلك في قصيدة" هدوء" حيث نجد" ضوء القمر في طبق فارغ".
وفي" أحوال رجل هادئ" ترسم مشاهد أخرى مثل: " تنبهه أن لا جدار/ ولا سقف/ ولا وقت/ لينتعل حذاءه"، و" حياة تشبهنا دوماً في الشارع"، و" الشيخوخة شعور خاطئ"، و" فقط يقضم يومه كما يقضم تفاحة"، و" لا نهاية لخطوط غير مستقيمة/ تتناغم مع حياة يحدق/ في نصلها اللامع"، وصولاً إلى العبارة الصادمة: " الإنسانية نرميها للكلب".
الشواهد التي سبقت والتي تلت الكلام عن" الانحياز إلى الأشياء"، ليست جميعها في هذا السياق.
إنها في مجموعها تشمل فنّ ليلى عساف الشعري، وغناءها الذي يمازج بين الأشياء والأشخاص، بين عالم تحتي نافل هامشي وعالم إنساني، وبين الاحتفاء والقسوة، بين الفاتن والعادي، والنقائض والمفارقات والتضادات، وبين السرد والغناء، وبين الصور والأفكار، الخيال والخيال الضدي.
أي ما يحيل الشعر، لا إلى مديح واحتفاء فحسب، بل إلى هجاء ورفض وضراوة.
يُحيله إلى نصّ سفلي، نصّ لا يتكلم من المساء وحده، بل يتكلم من الحضيض والقيعان، من التقبيح والتشويه والدحض.
ثم إن الغناء هنا ممهور بالفكر، ممهور بالسرد، ممهور باللعنة والنبذ.
أي إن القصيدة هنا تُوازن ما ادّعته لنفسها، إنها حالة، إنها في الآن نفسه الوقت والمعنى، والفكرة، والإيقاع، والنبر.
إنها هذه الموازنة بين الأشياء والإيقاع والغناء في الوقت نفسه من داخل المعنى وبعيداً عنه، من النفس المزدوجة، لكن أيضاً من الأشياء، من الشخص ومن الواقع، من العالم حضيضه وأعلاه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك