يصعب العثور على قطعة في لعبة الشطرنج تحمل هذا القدر من القوة مثل الملكة، فهي المرأة الوحيدة على رقعة تعجّ بالملوك والفرسان والأساقفة والجنود.
تتحرك بحرية لا تكاد تضاهيها أي قطعة أخرى، وتملك القدرة على تغيير مجرى المباراة خلال لحظات، بينما يظل الملك الذي يفترض أنه محور اللعبة محدود الحركة، لا ينتصر إلا بحمايتها.
لكن هذا الواقع يثير سؤالاً لافتاً: كيف أصبحت امرأة أقوى قطعة في لعبة نشأت في كنف مجتمعات هيمنت عليها القيم الذكورية؟هذا السؤال يشكّل محور كتاب" ولادة ملكة الشطرنج" للمؤرّخة والباحثة الأميركية مارلين يالوم (ترجمة خالد الجبيلي، دار الروافد الثقافية، بيروت، 2026) التي تُحاول تتبع الرحلة التاريخية التي نقلت قطعة" الوزير" الضعيفة إلى" الملكة" صاحبة النفوذ المطلق على الرقعة، باحثةً عن العلاقة بين هذا التحول وصعود ملكات مؤثرات في التاريخ الأوروبي.
يُفسّر ازدياد قوة الملكة بحضور النساء في الحياة السياسيةتبدأ يالوم (وهي بالمناسبة زوجة الطبيب النفسي الشهير إرفين يالوم) من أصول اللعبة في الهند وبلاد فارس، حيث كانت القطعة المجاورة للملك تمثل الوزير أو المستشار، ولم تكن تتحرك إلا خطوة واحدة قُطرياً، ما جعلها من أضعف القطع.
وعندما انتقلت الشطرنج إلى أوروبا خلال العصور الوسطى، بدأ هذا الوزير يتحول تدريجياً إلى ملكة، قبل أن تكتسب، في أواخر القرن الخامس عشر، صلاحياتها المعروفة اليوم، لتصبح أكثر قطع اللعبة قوة وتأثيراً.
وترى الكاتبة (1932-2019) أن هذا التحول ربما لم يكن معزولاً عن الواقع السياسي آنذاك، إذ شهدت أوروبا بروز عدد من الملكات اللواتي مارسن سلطة فعلية، مثل إليانور آكيتين (عاشت بين عامي 1122 - 1204م، وتميزت بحياة دراماتيكية غير عادية، حيث كانت ملكة لفرنسا ثم ملكة لإنكلترا)، ومارغريت الدنماركية، وبلانش وإيزابيلا القشتاليتين، والأخيرة تزامن عهدُها تقريباً مع الثورة الكبرى في قواعد الشطرنج.
وتطرح يالوم فرضية مفادها أن حضور هؤلاء النساء في الحياة السياسية منح المجتمع الأوروبي استعداداً لتقبل وجود ملكة قوية داخل اللعبة.
غير أن هذه الفرضية، رغم جاذبيتها، تبقى موضع نقاش.
فالكتاب يقدم أمثلة تاريخية عديدة، لكنه لا ينجح دائماً في إثبات وجود علاقة مباشرة بين نفوذ الملكات وتطور الشطرنج.
فكثيراً ما تعتمد الكاتبة على الاحتمالات والاستنتاجات أكثر من اعتمادها على الأدلة التاريخية القاطعة، وهو ما يجعل بعض استنتاجاتها أقرب إلى التأويل منها إلى البرهان.
إلى جانب تتبّع تاريخ اللعبة، يقدّم الكتاب صورة واسعة عن الثقافة الأوروبية في العصور الوسطى، إذ يناقش مفهوم الحب الفروسي، وتأثير الكنيسة، وصعود تبجيل السيدة العذراء، واستعمال الشطرنج في الأدب والفنون بوصفه رمزاً للعلاقات الإنسانية والسلطة والأخلاق.
كما يعرض كيف تحولت اللعبة إلى أداة استخدمها الوعّاظ لتقديم الدروس الأخلاقية، حتى إن بعضهم رأى في إمكانية امتلاك اللاعب أكثر من ملكة على الرقعة إشارة إلى تعدد الزوجات.
ومن أكثر الجوانب أهمية في الكتاب استعراضه للنظرة المتناقضة إلى الملكة عبر التاريخ.
فحين كانت قطعة ضعيفة، كان مؤلفو كتب الشطرنج ينصحونها بالبقاء إلى جوار الملك، ويطالبونها بالتحلّي بالعفّة والطاعة.
أما بعدما أصبحت أقوى قطعة في اللعبة، فقد تحولت إلى هدف لانتقادات لاذعة، ووُصفت بالجنون والطمع، في انعكاس واضح للقلق الذي أثارته فكرة امتلاك امرأة سلطة استثنائية، حتى وإن كانت داخل لعبة.
كما يدحض الكتاب الاعتقاد الشائع بأن الشطرنج كان دائماً حكراً على الرجال، مستشهداً بنصوص تاريخية وأدبية تشير إلى مشاركة النساء في اللعبة منذ قرون، وإلى وجود لاعبات بارزات في التراث العربي.
وتذهب يالوم إلى أن التحول الحقيقي جاء مع تسريع إيقاع الشطرنج بعد تعزيز قوة الملكة، إذ تحولت المباريات من لقاءات اجتماعية طويلة تتخللها الأحاديث والطعام والموسيقى إلى منافسات ذهنية سريعة تتطلب تركيزاً متواصلاً، الأمر الذي غيّر طبيعة اللعبة وجمهورها.
ورغم ما يؤخذ على الكتاب من تشتت في الانتقال بين تاريخ الشطرنج والسير الذاتية للملكات، وكثرة الفرضيات التي يصعب التحقق منها، يظل عملاً ثريّاً بالمعلومات، يعتمد على مصادر واسعة، ويقدم رؤية مختلفة لتاريخ واحدة من أشهر الألعاب في العالم.
كما ينجح في إثارة أسئلة اجتماعية أبعد من حدود الشطرنج نفسه، لتلامس تاريخ السلطة، وصورة المرأة، والعلاقة بين الثقافة ورموزها الخفية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك