لا تبدو الأرقام التي تعلنها حكومة الاحتلال" الإسرائيلي" بشأن الاستيطان في الضفة الغربية مجرد مؤشرات على توسع عمراني، بل تعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع يصعب التراجع عنها في المستقبل.
فحين تتحدث" إسرائيل" اليوم عن نحو 470 موقعًا استيطانيًا، وأكثر من 60 ألف وحدة سكنية تمت الموافقة عليها، و160 مزرعة استيطانية، وأكثر من 300 بؤرة يجري العمل على تقنينها، و925 حاجزًا يقطع أوصال الضفة الغربية، إلى جانب استثمارات تتجاوز 19.
8 مليار شيكل، فإنها لا تعرض حصيلة مشاريع بناء فحسب، بل تكشف عن استراتيجية متكاملة لإعادة رسم الخريطة السياسية والديموغرافية للضفة الغربية.
من التوسع إلى إعادة تشكيل الجغرافيالسنوات طويلة ارتبط الاستيطان بزيادة عدد المستوطنين أو إنشاء وحدات إستيطانية جديدة، إلا أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة.
فالمشروع لم يعد يهدف فقط إلى توسيع المستوطنات، بل إلى تحويلها إلى شبكة مترابطة عبر الطرق الالتفافية والبنية التحتية والمزارع الاستيطانية، بما يخلق كتلة جغرافية إسرائيلية متصلة تمتد في معظم أنحاء الضفة الغربية.
في المقابل، تتعرض المدن والقرى الفلسطينية لمزيد من العزل، سواء عبر الحواجز أو القيود على الحركة أو السيطرة على الأراضي المفتوحة، الأمر الذي يحول التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة يصعب ربطها جغرافيًا أو اقتصاديًا.
سموتريتش.
من إدارة الاحتلال إلى تكريس الضملا يخفي وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش طبيعة المشروع الذي يقوده، بل يصفه بأنه" ثورة استيطانية".
وتكشف تصريحاته أن الهدف لم يعد إدارة الضفة الغربية بوصفها أرضًا متنازعًا عليها، وإنما التعامل معها باعتبارها جزءًا من" المجال الإسرائيلي" الدائم.
ويبدو أن الحكومة الحالية تسابق الزمن لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات الميدانية قبل أي تغير سياسي داخلي أو ضغوط خارجية قد تعيد طرح ملف التسوية.
لذلك يجري الإسراع في تقنين البؤر الاستيطانية وربطها بالبنية التحتية الرسمية، بحيث تتحول من تجمعات غير معترف بها إلى مستوطنات يصعب إزالتها مستقبلًا.
المنطقة" ج".
قلب المشروع الاستيطانييرتكز المشروع بصورة أساسية على المنطقة" ج"، التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتخضع لسيطرة الإحتلال الإسرائيلي الكاملة وفق اتفاق أوسلو الثاني.
ولا تكمن أهمية هذه المنطقة في مساحتها فقط، بل في أنها تضم معظم الأراضي المفتوحة والموارد الطبيعية والممرات الاستراتيجية.
لذلك فإن تكثيف الاستيطان فيها يمنح كيان" إسرائيل" سيطرة فعلية على الامتداد الجغرافي للضفة الغربية، ويحد من قدرة الفلسطينيين على أي توسع عمراني أو اقتصادي مستقبلي.
ما بعد السابع من أكتوبر.
تسريع المشروعتعتبر حكومة الاحتلال أن الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وفرت بيئة سياسية واجتماعية أكثر قبولًا لتوسيع الاستيطان.
ففي ظل انشغال المجتمع الدولي بالحرب، وارتفاع الخطاب الأمني داخل كيان الإحتلال، تسارعت وتيرة المصادقة على المستوطنات الجديدة، وازدادت عمليات الاستيلاء على الأراضي، وارتفع الإنفاق على البنية التحتية الاستيطانية.
وبذلك أصبح الاستيطان جزءًا من رؤية أمنية وسياسية تعتبر السيطرة على الأرض عنصرًا أساسيًا في رسم مستقبل الضفة الغربية.
الأرقام.
مشروع سياسي أكثر من كونه عمرانيًاتكشف المقارنة التاريخية حجم التحول.
فمنذ عام 1967 وحتى تشكيل الحكومة الحالية أُنشئت 127 مستوطنة، بينما وافقت الحكومة الحالية وحدها على أكثر من 100 مستوطنة جديدة، إضافة إلى الدفع نحو تقنين مئات البؤر الاستيطانية.
ولا تعني هذه الأرقام مجرد زيادة في البناء، بل تشير إلى انتقال" إسرائيل" من سياسة التوسع التدريجي إلى سياسة إعادة تشكيل الواقع الجغرافي بوتيرة غير مسبوقة، بحيث تصبح المستوطنات جزءًا من منظومة متكاملة تشمل الطرق، والمناطق الصناعية، وشبكات الخدمات، والحماية العسكرية.
الحواجز.
الوجه الآخر للاستيطانفي الوقت الذي تتوسع فيه المستوطنات، تنتشر في الضفة الغربية 925 حاجزًا ونقطة إغلاق، تشكل شبكة تتحكم في حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى.
ولا تؤدي هذه الحواجز وظيفة أمنية فقط، بل تسهم في إعادة تنظيم المجال الجغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني، إذ تسهل حركة المستوطنين داخل شبكة الطرق المخصصة لهم، بينما تزيد من صعوبة الحركة والتنقل بالنسبة للفلسطينيين، الأمر الذي يعمق الانقسام الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي.
واقع جديد يصعب التراجع عنه تكشف مجمل هذه المعطيات أن سلطات الإحتلال لا تعمل فقط على توسيع المستوطنات، بل على إنتاج واقع جديد تصبح فيه السيطرة على الأرض أمرًا دائمًا، وتغدو أي محاولة مستقبلية لإعادة رسم الحدود أو إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أكثر تعقيدًا وكلفة.
فالأرقام، في نهاية المطاف، ليست مجرد إحصاءات، بل تعبير عن مشروع استراتيجي طويل الأمد يسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية تسبق أي تسوية سياسية، وتجعل مستقبل الضفة الغربية يُرسم على الأرض قبل أن يُناقش على طاولة المفاوضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك