عندما يواجه الإنسان طريقا مسدودا، لا يكون الفارق دائما في حجم المشكلة التي يمر بها، بل في الطريقة التي ينظر بها إلى إمكانية تجاوزها، وهنا يتحول الأمل من مجرد شعور يراود الإنسان إلى مفهوم شغل علماء النفس خلال العقود الأخيرة، إذ لم تعد الأبحاث تنظر إليه باعتباره إحساسا إيجابيا عابرا، بل قدرة ذهنية تساعد الإنسان على رسم أهدافه والبحث عن طرق لتحقيقها.
وبمناسبة اليوم العالمي للأمل، يعود الاهتمام بهذا المفهوم الذي أصبح جزءا من دراسات الصحة النفسية وعلم النفس الإيجابي، وسط تساؤل أساسي: هل الأمل حالة شعورية مرتبطة بالظروف المحيطة بالإنسان، أم أنه مهارة يمكن تطويرها وتدريب العقل عليها؟لا يتطابق الأمل مع التفاؤل، رغم ارتباطهما في الاستخدام اليومي.
فالشخص المتفائل قد يتوقع نتيجة جيدة، بينما الشخص الذي يمتلك الأمل لا يكتفي بالتوقع، بل يبحث عن الوسائل التي تقوده إلى تلك النتيجة.
list 1 of 2قبل أن تحاول التخلص من التوتر.
ماذا لو كان يعمل لصالحك؟list 2 of 2كيف تتصرف عندما يبدأ أحدهم في البكاء أمامك؟هذا التفريق وضعه عالم النفس الأمريكي تشارلز سنايدر في" نظرية الأمل" التي قدمها عام 1991، إذ رأى أن الأمل يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:القدرة على إيجاد مسارات للوصول إليه.
الدافع الذي يدفع الإنسان للاستمرار رغم العوائق.
غير أن رحلة البحث لم تتوقف عند تعريف سنايدر، إذ اتجهت الدراسات الحديثة إلى اختبار كيفية تشكل الأمل داخل العقل، وإمكانية قياسه وتعزيزه، ثم رصد أثره في الصحة النفسية والحياة السعيدة.
ولأن فهم هذه القدرة النفسية يبدأ بإمكانية قياسها، عمل باحثون في دراسة بعنوان" الشعور بالأمل.
تطوير والتحقق من صحة مقياس لسمة الأمل بوصفه انفعالا"، نُشرت في مجلة" فرونتيرز إن سيكولوجي" عام 2024، على تطوير أداة علمية لقياس الأمل بوصفه تجربة انفعالية، وأظهر البحث أن المقياس يتمتع بموثوقية وصلاحية علمية، مما يوفر وسيلة أكثر دقة لدراسة دور الأمل في حياة الأفراد.
لا يعني الشخص الأكثر أملا أنه لا يرى الصعوبات، بل إنه يتعامل معها بطريقة مختلفة.
فبدلا من اعتبار العقبة نهاية الطريق، يبحث عن مسار آخر للوصول إلى الهدف.
ولم يقتصر اهتمام الباحثين على تفسير هذه القدرة النفسية، بل امتد إلى سؤال أكثر عملية وهو: هل يمكن تعليم الإنسان الأمل؟وللإجابة عن سؤال طالما شغل الباحثين بشأن إمكانية تعلم الأمل، أجرى فريق من كلية الطب في جامعة دارتموث الأمريكية تجربة عشوائية محكمة نُشرت عام 2025 في مجلة" فرونتيرز إن سيكولوجي".
وتلقى مراهقون تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما برنامجا تدريبيا استمر 5 أسابيع، أظهر بعد انتهائه ارتفاعا في مستويات الأمل وتحسنا في تقبل الذات واستخدام إستراتيجيات أكثر تكيفا مع الضغوط، إلى جانب انخفاض أعراض الاكتئاب، بينما لم يسجل أثرا واضحا في مستويات القلق.
عندما يصبح الأمل عاملا واقيافي أوقات الأزمات، لا يختفي دور الأمل، بل يصبح أكثر وضوحا.
فالأشخاص الذين يشعرون بأن لديهم قدرة على التأثير في حياتهم يكونون غالبا أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط.
ولا يقتصر أثر الأمل على تجاوز الضغوط اليومية، بل قد يمتد لسنوات.
فقد تابعت دراسة طولية أجراها باحثون من كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد ونشرتها مجلة" سوشيال ساينس آند ميديسن" أكثر من 11 ألف مراهق على مدى نحو 12 عاما، ووجدت أن ارتفاع مستويات الأمل في مرحلة المراهقة ارتبط لاحقا بتحسن الصحة النفسية والرفاه والعلاقات الاجتماعية والسلوكيات الصحية.
وتشير هذه النتائج إلى أن أثر الأمل لا يقتصر على تحسين الحالة النفسية في لحظة معينة، بل قد ينعكس على مسار حياة الإنسان لسنوات.
ليس كل ما يشبه الأمل أملارغم الصورة الإيجابية المرتبطة بالمفهوم، يميز علماء النفس بين الأمل الواقعي والتمني.
فانتظار تغير الظروف دون اتخاذ خطوات عملية لا يعكس أملا بالمعنى العلمي، بل قد يكون مجرد رغبة في حدوث نتيجة معينة.
الأمل الفعال -وفق الباحثين- يجمع بين الاعتراف بصعوبة الواقع والإيمان بإمكانية تغييره، وهو ما يجعله مختلفا عن تجاهل المشكلات أو التقليل من حجمها.
ولا يقف تأثير الأمل عند حدود الصحة النفسية، بل يمتد إلى الطريقة التي يمنح بها الإنسان معنى لحياته ومستقبله.
ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة ميزوري ونشرتها مجلة" إيموشن" عام 2025، حلل الباحثون بيانات أكثر من 2300 مشارك، وخلصوا إلى أن الأمل كان أكثر ارتباطا بإحساس الأفراد بمعنى الحياة مقارنة بمشاعر إيجابية أخرى مثل السعادة والامتنان.
وهذه النتيجة تعزز النظر إلى الأمل باعتباره قوة تدفع الإنسان إلى بناء مستقبل ذي معنى، وليس مجرد شعور مؤقت.
تعزز نتائج التجربة التي أجرتها جامعة دارتموث هذه الفكرة، إذ أظهرت أن تنمية الأمل لا تعتمد على تغيير الظروف المحيطة بالفرد بقدر ما تعتمد على تعليمه مهارات مثل تحديد الأهداف ووضع بدائل عند مواجهة العقبات والمحافظة على الدافع للاستمرار.
ويرى علماء النفس أن بناء الأمل يبدأ من خطوات بسيطة لكنها متراكمة:الاحتفاظ بخيارات بديلة عند مواجهة الفشل.
البحث عن الدعم الاجتماعي عند الحاجة.
وربما لهذا السبب لم يعد العلماء يتعاملون مع الأمل بوصفه شعورا ينتظر الإنسان قدومه، بل مهارة يمكن بناؤها خطوة بعد أخرى.
فهو لا يبدل الواقع بمفرده، لكنه يغير الطريقة التي يواجهه بها الإنسان، ويحوله من متلقٍ للظروف إلى فاعل يسعى إلى تغييرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك