رحل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن 71 عاماً، بعد مرض مفاجئ وقصير، وفقاً لما أعلنه مكتبه ونقلته وكالة «أسوشيتد برس».
وبرحيله تفقد واشنطن واحداً من أكثر وجوهها حضوراً في السياسة الخارجية، وواحداً من السياسيين الذين عرفوا كيف يبقون قريبين من مركز السلطة، حتى حين تغيرت العواصف حولهم.
لم يكن غراهام سياسياً هادئاً على أطراف المشهد.
كان رجلاً يعيش في قلب الجدل.
محامياً عسكرياً سابقاً، وسيناتوراً عن ولاية ساوث كارولاينا منذ عام 2003، ووجهاً جمهورياً يجمع بين لهجة الجنوب الأمريكي وصرامة الصقور في السياسة الخارجية.
ولد ليندسي أولين غراهام في بلدة سنترال بولاية ساوث كارولاينا عام 1955.
نشأ في عائلة متواضعة كانت تدير مطعماً ومتجراً صغيراً، ثم عرف اليتم مبكراً بعدما فقد والدته ثم والده وهو في سن الشباب.
وبحسب سيرته الرسمية، أصبح أول فرد في عائلته يلتحق بالجامعة، وتخرج في جامعة ساوث كارولاينا ثم حصل على شهادة القانون منها.
هذا الأصل المتواضع ظل جزءاً من صورته السياسية.
كان يقدم نفسه بوصفه رجلاً جاء من جنوب محافظ، عرف الخسارة الشخصية مبكراً، ثم صعد عبر الجيش والقانون والسياسة.
قبل دخوله الكونغرس، خدم غراهام في سلاح الجو الأمريكي ضمن فيلق القضاة العسكريين، ثم واصل الخدمة في احتياط سلاح الجو حتى تقاعد برتبة عقيد.
وتعرضت سيرته العسكرية أحياناً للتدقيق والجدل، لكنه جعل منها جزءاً مركزياً من هويته العامة: رجل قانون، ورجل مؤسسة، وسياسي يرى العالم من زاوية الأمن القومي.
دخل مجلس النواب الأمريكي عام 1995، ثم انتخب لمجلس الشيوخ عام 2002 خلفاً للسيناتور الشهير ستروم ثورموند، وأعيد انتخابه في 2008 و2014 و2020.
وبحسب سيرته في مجلس الشيوخ، أصبح عام 2008 أول شخص في تاريخ ساوث كارولاينا يحصل على أكثر من مليون صوت في انتخابات عامة.
عرف غراهام قبل كل شيء بأنه من صقور السياسة الخارجية.
وكان من أبرز الداعمين للحرب على الإرهاب، والضغط على إيران، ومساندة أوكرانيا.
ووفقاً لـ«أسوشيتد برس»، كان يسافر كثيراً إلى الخارج للدفع بسياسة أمريكية أكثر قوة، خصوصاً في ملفات روسيا وإيران وأوكرانيا.
في هذا الجانب، كان أقرب إلى مدرسة جون ماكين، صديقه السياسي الكبير، وجو ليبرمان.
عُرف الثلاثة في واشنطن باسم «الأصدقاء الثلاثة»، وكانوا يمثلون تياراً يؤمن بأن القوة الأمريكية يجب أن تبقى حاضرة في العالم، لا أن تنكفئ عنه.
لكن قصة غراهام لا تكتمل من دون دونالد ترامب.
في بدايات حملة 2016، كان من أشد منتقديه داخل الحزب الجمهوري.
هاجمه، وحذر من أسلوبه، ونافسه لفترة قصيرة على ترشيح الحزب.
ثم جاءت المفارقة التي ستبقى من أكثر ملامح مسيرته إثارة للجدل: تحوله إلى واحد من أقرب حلفاء ترامب في مجلس الشيوخ.
وبحسب «أسوشيتد برس»، أصبح غراهام لاحقاً من أبرز المدافعين عن ترامب، وقدم له المشورة في ملفات السياسة الخارجية، ودافع عن قرارات إدارته، وكان مؤثراً في معارك تشريعية وقضائية كبرى، بينها ترشيحات المحكمة العليا.
رأى خصومه في هذا التحول تنازلاً سياسياً كبيراً.
ورأى أنصاره أنه براغماتي يعرف كيف يبقى مؤثراً داخل حزب تغيرت قواعده.
وبين الرأيين، ظل غراهام حاضراً، حاداً، ومثيراً للانقسام.
لم يكن غراهام مجرد صوت تلفزيوني.
شغل مواقع مؤثرة في مجلس الشيوخ، بينها رئاسة اللجنة القضائية بين 2019 و2021، ثم رئاسة لجنة الميزانية لاحقاً، وفقاً لسيرته الرسمية.
وكان له دور في معارك تعيين القضاة، وفي الدفاع عن أولويات الحزب الجمهوري، وفي صوغ مواقف تشريعية تتصل بالضرائب والإنفاق والأمن.
كما عرف في مراحل سابقة باستعداده للعمل مع الديمقراطيين في ملفات مثل إصلاح الهجرة.
وقد تمت الإشارة إلى دوره في مشروع قانون إصلاح الهجرة عام 2013.
إرث ليندسي غراهام ليس سهلاً.
سيذكره البعض كصوت قوي للسياسة الخارجية الأمريكية، ورجل بقي وفياً لفكرة القوة والتحالفات.
وسيذكره آخرون كسياسي بدّل موقعه من ترامب على نحو بدا عندهم مثالاً على مرونة واشنطن القاسية، حيث ينجو من يعرف متى يقترب من المنتصر.
لكنه، في كل الأحوال، كان من الشخصيات التي لا تمر بلا أثر.
امتد حضوره من قاعات اللجان إلى شاشات الأخبار، ومن حملات ساوث كارولاينا إلى ميادين السياسة العالمية.
كان يعرف كيف يصنع جملة، وكيف يدخل معركة، وكيف يبقى في الصورة.
برحيله، تنتهي سيرة سياسي عاش بين القانون والحرب والحزب والولاء.
رجل لم يكن محبوباً من الجميع، ولم يكن بسيطاً في قراءته، لكنه كان واحداً من أولئك الذين لا تستطيع واشنطن أن تكتب تاريخها الحديث من دون المرور بهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك