شهدت العقود الأخيرة تطورات متسارعة ومذهلة في قطاع الإعلام تسببت في تغيير خارطة هذه الصناعة بشكل كامل بعد التراجع الكبير الذي شهدته الصحف الورقية التي كانت المصدر الأساسي للأخبار، ولكن بعد الانتشار الهائل في استخدام الأجهزة الذكية تراجعت الصحف واكتفت في كثير من الأحيان بالنشر على الفضاء السيبراني.
في المقابل ظهرت أنماط إعلامية جديدة اصطُلح على تسميتها بالإعلام الرقمي مثّلت أحد أهم التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة.
ومن أبرز هذه الأنماط السائدة حاليا المنصات الإخبارية، ووسائل التواصل الاجتماعي، مثل إكس وسناب شات وتيك توك وإنستغرام، والبودكاست، ومنصات الفيديو وصناعة المحتوى، وإعلام المؤثرين.
وتكمن أهم مزايا هذه الوسائط في أنها لم تعد تكتفي بمجرد نقل الأخبار والمعلومات، وتحولت إلى قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الأحداث والتحكم في كيفية نشرها وتوجيه الاهتمامات الجماهيرية.
وبهذه المزايا أصبحت المصدر الأول للأخبار لدى شريحة واسعة من الجمهور، خصوصا بين الشباب.
إذا نظرنا إلى واقع الإعلام الرقمي في السعودية نجد أننا نشهد بالفعل تحولات رقمية واسعة في هذا القطاع، مع اهتمام واضح بتطوير البيئة التنظيمية والإعلامية وتعزيز الابتكار، لكن هناك حاجة ماسة للتطوير من خلال مجموعة من المسارات المتكاملة التي تجمع بين التقنية والمحتوى والتنظيم والكوادر البشرية.
ولابد في البدء من الإشارة إلى أن وسائل الإعلام السعودي التقليدي المتمثّلة في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون امتازت طيلة الفترة الماضية بالمصداقية والتطور.
لذلك ينبغي الإشارة إلى أن تطوّر الإعلام الرقمي لا يعني إلغاء الإعلام التقليدي، وهناك ضرورة للتكامل بين الاثنين.
وإذا استطعنا دمجهما في المنصات الرقمية والبث المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي فإن ذلك سيؤدي للوصول لشرائح أوسع وتحقيق تأثير أكبر.
أما أولى خطوات التطوير فتتمثَّل إنتاج محتوى احترافي يتمتع بالمصداقية والعمق ويخاطب الجمهور المحلي والعالمي بلغات متعددة، فنجاح الإعلام الرقمي لا يعتمد على التقنية وحدها، بل على جودة المحتوى.
ولا بد أيضا من الاهتمام بتنويع المحتوى ليكون هناك إعلام متخصص في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والسياحة، والتقنية، وتطوير القصص الرقمية، والتحقيقات التفاعلية مما يعزز القدرة التنافسية للمنصات السعودية.
ومن المهم أيضا التوسّع في استخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءا مهما من صناعة الإعلام، سواء في تحليل البيانات، وتخصيص المحتوى، وتحسين تجربة المستخدم والاستفادة منها في الرصد الإعلامي وتحديد اتجاهات الجمهور.
ولأن تقنيات الواقع الافتراضي تلعب دورا متزايدا في مستقبل الإعلام فإن الاستثمار المبكر في هذه المجالات سيساعد المؤسسات السعودية على مواكبة التوجهات العالمية.
كل هذه المجالات تحتاج إلى تطوير وتحديث حتى نحافظ على الريادة التي نالها إعلامنا التقليدي خلال الفترة الماضية.
ومما يبعث على الاطمئنان أنه عند مقارنة التجربة السعودية ببقية دول العالم في قطاع الإعلام الرقمي نجد أنها تتشابه مع كثير من الدول المتقدمة في استخدام المنصات الاجتماعية كمصادر رئيسة للمعلومات.
كما نمتلك ميزة تفضيلية تتمثل في سرعة تبني التقنيات الجديدة، وارتفاع معدلات التفاعل الرقمي، والدعم المؤسسي لتطوير القطاع الإعلامي.
ولأن المملكة تعمل على زيادة استقطاب الاستثمارات الأجنبية فإن إنشاء وتطوير منصات إعلامية متعددة اللغات تقدّم محتوى قادرا على الوصول إلى الأسواق العالمية يمكن أن يدعم هذه الجهود، فمن أكبر سلبيات الإعلام التقليدي أنه تجاهل مخاطبة الآخر والتعريف بما تذخر به بلادنا من ثقافة راسخة، وحضارة عريقة، وفرص استثمارية جاذبة.
وحتى يحقق هذا الإعلام الجديد النجاحات المتوقعة ويمثّل إضافة إيجابية لمسيرة التحديث والتطوير والتحول المجتمعي الكبير الذي تشهده المملكة في هذا العهد، فإن على هذه الوسائط الابتعاد عن التكرار واللجوء إلى أسلوب القص واللصق، وعدم اللهث وراء الإثارة المصطنعة، والتركيز على تطوير الكفاءات الإعلامية الوطنية في مجالات إنتاج الفيديو، وتحليل البيانات، وإدارة المنصات الرقمية، وصناعة البودكاست، والتسويق الرقمي، وعندها فقط يمكن للإعلام الرقمي أن يتحول إلى شريك أساسي في تشكيل الوعي وصناعة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك