طهران- بعد انتهاء مراسم تشييع جثمان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بدأت الأوساط السياسية نقاشا موسعا حول ميراث حقبته التي استمرت 37 عاما، وفيما ركزت الصحافة الرسمية على مناقب الراحل وإنجازاته الإستراتيجية، سلّطت المعارضة بالخارج الضوء على الإشكاليات التي رافقت عصره.
وانطلاقا من هذا التناقض، قامت الجزيرة نت بجولة ميدانية في شوارع طهران لاستشعار رأي الناس في إرث الرجل الذي قاد إيران لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، مخلفا إرثا متشعبا -وفق مراقبين- يتراوح بين تثبيت أركان النظام وتوسيع نفوذه إقليميا، وبين أزمات اقتصادية وانقسامات اجتماعية.
في شارع" بيروزي" شرقي العاصمة، يرى الحاج" ما شاء الله"، (69 عاما) وهو عسكري متقاعد، في" استقلال القرار الوطني" أبرز إنجازات المرشد الراحل، مضيفا أنه إذا أراد تلخيص" أهم ميراث للقائد الشهيد في جملة واحدة، فإن تثبيت استقلال إيران وسيادتها الوطنية في بيئة مليئة بالتوتر هو الوصف الأكثر دقة".
وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف أن" تعزيز القدرات الدفاعية وتجهيز القوات المسلحة بأحدث التقنيات المتاحة كان من أهم تدابيره، وشهدنا ثمرتها في حربي الـ12 يوما ورمضان، حيث أوقفنا قوتين نوويتين وأفشلنا مؤامراتهما الرامية لإسقاط النظام وتجزئة البلاد"، على حد قوله.
ويذهب ما شاء الله أبعد في الإشادة، معتبرا أن الجمهورية الإسلامية في ظل قيادة المرشد الراحل" وصلت إلى مرحلة جعلت فيها أي عدوان مكلفا للعدو، وذلك بعد قرنين من الضعف"، مشددا على أن خامنئي الأب" غرس في المجتمع الإيراني لاسيما القوات المسلحة شعورا بالثقة بالنفس والقدرات الداخلية".
وفي وسط العاصمة حيث جسر" كالج" القريب من جامعة" أمير كبير" الصناعية، ترى" سولماز" (32 عاما) وهي طالبة دراسات عليا، في" الوحدة الوطنية" خلاصة لميراث المرشد الأعلى السابق، فتشيد بالتماسك الوطني بين فسيفساء القوميات وأتباع شتى المذاهب والأديان في بلادها.
وفي حديثها للجزيرة نت، تعتقد سولماز أن انسجام جميع مكونات الشعب الإيراني منذ اليوم الأول من" حرب رمضان" الأخيرة أفشل مخططات مبيتة لتجزئة جغرافيا البلاد، موضحة أن بلادها كانت تواجه في كل هجوم أجنبي عليها -تاريخيا- إما خسارة أراضٍ أو احتلالا أو تبعية، بيد أن الجمهورية الإسلامية تمكنت هذه المرة – رغم مواجهة قوة بحجم أمريكا إلى جانب إسرائيل – من حماية سيادتها الوطنية.
وتابعت: " لعل أكبر مفاجأة خلال الحرب الأخيرة كانت سلوك الأمة الإيرانية ردا على اغتيال المرشد السابق، حيث أظهر جزء كبير من المجتمع رغم المشاكل وعدم الرضا، وعيا تاريخيا، وليس من المبالغة القول إن أمة عظيمة انتفضت بوجه قوة عظمى كانت تعول على تثوير الإيرانيين بوجه النظام.
هذا التضامن من ثمرات ميراث المرشد السابق".
غير أن هذه النظرة المثالية للوحدة الوطنية، تصطدم بواقع أكثر تعقيدا في أحياء أخرى، حيث يرى آخرون أن هذا التماسك الاجتماعي لم يترجم إلى تحسن في مستويات المعيشة؛ ففي حي" أمين آباد" جنوبي العاصمة والذي يؤوي طبقات محدودة الدخل، التقينا برجل ستيني -عاجز عن العمل ولم يتقاضَ راتبه التقاعدي- لا يخفي إحباطه ويروي حكاية مختلفة تماما عن اتساع الفجوة بين أغنياء طهران وفقرائها طوال العقود الماضية.
ويتحدث الرجل، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بسرد مرير عن ما آل إليه حال طيف كبير من الإيرانيين -على حد وصفه- فيقول: " حياتنا ارتبطت بكلمات: الغلاء، والفقر، وقلة المال، والتضخم، والبطالة واليأس".
ويضيف بصوت يخنقه التعب: " جنوب طهران منطقة متدينة وتشتهر بولائها للنظام، وأنا لست معارضا، ولم أكن يوما ضد القيادة، لكنني تعبت من رداءة وضعي المعيشي الذي لا يتحسن مهما تغيرت الحكومات وكثُرت الشعارات".
وليس بعيدا عن هذا الحي نواصل جولتنا نحو غربي المدينة فنتوقف في" نازي آباد" جنوبي العاصمة، حيث تقول مينا (54 عاما) وهي ربة منزل، " منذ تولي خامنئي الأب رأس هرم السلطة تحولت إيران من دولة كانت تُهمش في القرارات الدولية، إلى لاعب لا يمكن تجاوزه في المعادلات الإقليمية.
لم نعد ذلك الطرف الضعيف الذي ينتظر ما تسفر عنه اجتماعات القوى الكبرى، بل صرنا ندير جزءا من المشهد بأنفسنا، وهذا ما يثير فخري في ميراث المرشد الراحل".
وتضيف في حديثها للجزيرة نت: " أعرف أن البعض ينتقد دعمه لفصائل المقاومة، لكني أرى هذا المحور المحبب على قلب المرشد السابق درعا لإيران قبل أن يكون دعما لإخوتنا ولحلفائنا خارج الحدود.
عندما كنا محاصرين في الحرب الأخيرة، شعرت بأن سياسته الخارجية هي التي جعلت قواتنا الجوية والصاروخية قادرة على ردع الخصم، وكأنه خلال كل تلك السنوات من التنسيق والدعم كان يستعد لمواجهة هذه الهجمة".
وتردف مينا بصوت يخالطه الرضا: " صحيح أننا نعاني من غلاء الأسعار والعقوبات، لكن من جهة أخرى، أصبحت إيران دولة لها كلمة في قرارات الحرب والسلم في المنطقة، وهذا ما غرسه فينا المرشد الراحل.
فقبل أن نتحدث عن رفاهية داخلية، علينا أن نضمن أن لا أحد يفكر في الاعتداء علينا، وهذا الميراث الذي تركه لنا سيحمي أجيالا قادمة".
وعلى النقيض مما ذهبت إليه المتحدثة السابقة، كان صوت المهندسة المعمارية" بهاره" وهي في الثلاثينيات من عمرها، أكثر حدة في النقد، حيث ترى أن" أكبر إرث تركه الراحل هو شعور عام بالخيبة والانقسام الاجتماعي بعد عقود من الشعارات التي لم تلمس الواقع المعيشي للمواطن.
الوحدة والسيادة لا تُصنع بالخطابات، بل بالعدالة الاقتصادية وتوزيع الثروة، وهذا ما كان غائبا حتى الآن"، مضيفة أن السياسة الخارجية الإيرانية اتسمت بالعزلة الدولية خلال الفترة الماضية.
وتابعت في حديثها للجزيرة نت: " أنفقنا ثروات هائلة على محور المقاومة والمشروع النووي، بينما يعاني الناس من نقص الدواء وعجز في الطاقة.
لقد عادت قطوعات الكهرباء في عز الصيف وهناك شح في مياه الشرب بطهران ومناشدات بالاقتصاد في استهلاك البنزين.
هذه الإشكاليات هي نتيجة تراكمات الحوكمة السابقة وإنفاق ثروات البلاد على غير أهلها".
وختمت حديثها بالقول إن الحقبة السابقة شهدت بسط بعض الأوساط قبضتها على كل مفاصل البلاد، حتى أصبح المواطن العادي أسير قرارات لا يراها ولا يفهمها، " بينما تتسع الهوة بيننا وبين جيراننا الذين كانوا إخوانا لنا يوما، فأصبحوا يخافوننا ويحسبوننا خطرا عليهم بسبب قصف بلادهم بين الفينة والأخرى"، على حد وصفها، مضيفة" أريد أن يعرف العالم أن إيران ليست فقط صواريخ وتهديدات، بل أناس يحلمون بحياة طبيعية كباقي البشر".
وفي ختام جولة الجزيرة نت في شارع" شريعتي"، حيث تختلط الأحياء الراقية بالطبقات المتوسطة، وقفنا عند الأكاديمي المتقاعد بهرام (68 عاما)، كان يحاول تقديم قراءة متوازنة لإرث المرشد الراحل، معترفا بـ" ثنائية الميراث" التي تجمع بين الإنجازات والإخفاقات، فقال: " لا يمكن إنكار أن إيران أصبحت أكثر صلابة في مواجهة الضغوط، وحققت إنجازات بارزة.
لهذا النظام وهذه الحقبة موالون كثيرون، لكن هذا لا يمنع أن يكون لدينا انتقادات مشروعة".
ويضيف، في حديثه للجزيرة نت، " المشكلة أن السلطة تركزت بيد مؤسسات محدودة دون رقابة، وهناك مؤسسات رقابية تسيطر عليها جماعات متشددة تقصي كل من له رأي آخر، وهذا أضعف نُظُمنا الانتخابية وجعلها لا تغير شيئا في جوهر القرارات".
يلفت الرجل إلى أن الأزمات الاقتصادية تراكمت لعقود، والجميع يعلم أن نسبة التضخم والبطالة تتزايد، بينما يتحدث المسؤولون عن أرقام وهمية لا تعكس واقع الفقر المدقع في البلاد.
ويختتم حديثه بنبرة من الأسى: " نشعر بالفخر جراء وقوف قواتنا المسلحة أمام الخصم الذي هاجم بلادنا، لكن كيف يمكننا أن نفتخر عندما تكون النخبة الأكاديمية تهاجر بحثا عن لقمة العيش؟
هذا التناقض المؤلم هو جوهر إرث الحقبة الماضية".
وبينما تنطوي حقبة المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية، تبقى طهران على وقع جدل مفتوح حول ميراثه، بينما يطرح مراقبون تساؤلا مصيريا حول ما إذا كانت البلاد ستتمكن من الخروج من الانقسام بين" إرث القوة وإرث الإرهاق".
ووسط تحديات داخلية وخارجية، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الدولة على معالجة الجروح الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك