في أعماق جنوب المحيط الهندي، قرب دائرة عرض 37 جنوبا، تتحرك الصفائح التكتونية ببطء شديد، لا يتجاوز بضعة سنتيمترات كل عام؛ هذا البطء قد يوحي بالهدوء، لكن الأرض أحيانا تخزن طاقتها لسنوات طويلة، ثم تفرغها فجأة خلال أيام قليلة.
هذا ما سجلته دراسة جديدة نشرت مؤخرا في مجلة" نيتشر" (Nature)، بعد وضع أجهزة قياس في حيد جنوب شرق المحيط الهندي (أحد حدود الصفائح التكتونية)، قبل الحدث بشهرين فقط.
ففي أواخر فبراير/شباط 2024، نشر الباحثون مرصدا مستقلا في قاع البحر ضمن مشروع" أوها-جيودامز"، شمل سماعات مائية لرصد الزلازل، وأجهزة صوتية لقياس تمدد القاع أفقيا، ومقياس ضغط في القاع يرصد الهبوط والارتفاع، إضافة إلى خرائط متكررة لقاع البحر.
وفي أبريل/نيسان 2024، بدأ الأمر بسرب من الزلازل الصغيرة داخل الوادي المحوري للحيد، وهو المنخفض الطويل الذي يمتد على طول محور الحيد المحيطي، وقد تحركت الهزات بسرعة على امتداد القاع.
وفسر الباحثون هذه الهجرة الزلزالية بأنها علامة على اندفاع صهارة ساخنة داخل قنوات تسمح لها بالصعود من الخزان العميق نحو سطح القاع.
يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، جان إيف روييه، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إن مقياس الضغط في قاع الوادي سجل خلال ساعات قليلة، هبوطا واضحا.
وأشار إلى أن هذا الهبوط لم يكن بضعة سنتيمترات فقط، بل وصل في النهاية إلى نحو 4.
2 متر خلال ستة أيام، حدث معظمه في أول 16 ساعة.
ويشرح جان في تصريحات للجزيرة نت: " وفي الوقت نفسه، رصدت أجهزة القياس الصوتية تمددا أفقيا عبر الوادي تجاوز مترا في بعض الخطوط.
أي أن القاع لم يكن يهبط فقط، بل كان يتمدد أيضا، مع فتح شقوق جديدة وحركة على صدوع عادية تحد الوادي.
وهذه الصورة تكشف أن ولادة قاع محيط جديد لا تحدث في هدوء كامل، بل عبر مزيج من الصهارة والتمدد والتصدع"وعندما عاد الباحثون في فبراير/شباط 2025 وأعادوا مسح المنطقة، وجدوا تضاريس جديدة لم تكن موجودة في عام 2024، عبارة عن تدفقات ضخمة من الحمم على قاع البحر.
وقدر الفريق حجم الحمم الجديدة بين 148 و160 مليون متر مكعب.
ويرجحون أن الثوران استمر نحو 16 يوما، بمعدل قذف مرتفع بلغ في المتوسط نحو 9 إلى 10 ملايين متر مكعب يوميا.
وفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة، تعني هذه الأرقام أن الحدث لم يكن مجرد شق صغير أو تسرب محدود للصهارة، بل ثورانا بحريا واسعا غير شكل القاع في منطقة لم يكن أحد يشاهدها مباشرة.
ولولا الأجهزة التي وضعت قبل أسابيع قليلة، لربما بقيت تفاصيل هذه اللحظة مخفية أو غير مكتملة.
لم يبق الحدث محصورا في محور الحيد وحده، فبعد توقف اندفاع الصهارة شمالا، نشطت صدوع تحويلية قريبة، بينها صدع أمستردام التحويلي، الذي أنتج زلزالا بلغت قوته 5.
9 درجات.
والصدوع التحويلية هي صدوع تقطع الحيود المحيطية وتسمح لأجزاء من القشرة بالتحرك جانبيا بالنسبة إلى بعضها بعضا.
ويشير هذا التسلسل إلى أن اندفاع الصهارة في محور الحيد قد يغير توزيع الإجهادات حوله، ويدفع صدوعا مجاورة إلى الحركة.
فالصهارة لا تبني قاعا جديدا فقط، بل يمكنها أيضا أن تعيد ترتيب القوى في الصخور المحيطة، فتفتح شقوقا هنا، وتضغط صدعا هناك، وتطلق زلازل في أماكن قريبة، وفقا للدراسة.
ومن أهم ما تكشفه الدراسة أن جزءا كبيرا من حركة الصدوع لم يحدث على هيئة زلازل محسوسة، بل كـ" انزلاق صامت أو لا زلزالي"؛ ما يعني أن الصدع يتحرك فعلا، لكن من دون أن يطلق موجات زلزالية قوية تسجل كزلازل واضحة.
وبحسب النماذج، قد يكون نحو 76% من حركة الصدع أثناء الحدث قد حدث بهذه الطريقة.
ورغم أهمية النتائج، يلفت الباحثون إلى أن بيانات القياس الأفقي الكاملة كانت متاحة أساسا من محطة مركزية واحدة، لأن استعادة كل الأجهزة من قاع البحر كانت صعبة.
كما تأثرت بعض القياسات بتغير سرعة الصوت في الماء وبميلان الحوامل معدنية نتيجة الزلازل، ما زاد عدم اليقين، خصوصا قرب الصدع التحويلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك