خامس دهاة العرب في العصر الحديثروى مجالد عن الشعبي قال: " دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد.
فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، والمغيرة للمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير".
قلت: وخامسهم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، للفتكات البكر.
لم أعتقد صدق ولاء زعيم عربي للأمة سوى هذا الرجل، فإني مؤمن بأن فكره منتم لأمته، وأن عاطفته محترقة لقضاياها، وهذا أمر نادر في حكامنا اليوم.
فقد علمتنا معاشرتهم قرنا من الزمان أنهم لا ينتمون إلى أمتهم، لا في فكرهم، ولا في عواطفهم، وسلوكهم السياسي يشهد عليهم لا لهم.
لكن الشيخ حمد، رحمه الله، كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
إن الجزيرة ليست قناة وحسب، لكنها جيش مدجج بأسلحة الوعي والفكر، ومجلس استشاري يقدم للأمة النصح والتوجيه، ويقول لها بكل صدق أين تقع قدمها في الحال، وأين يجب أن تضع خطوتها القادمةكان أول انتباهي للرجل أيام انطلاق قناة الجزيرة، في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1996، وكنت حينها شابا في مقتبل العمر، متابعا للشأن العربي، متذمرا من الصورة الوحيدة والخبر المكرر، اللذين كانت القنوات الرسمية للدول العربية تصنع من خلالهما صورة الزعيم الأوحد، عبر يومياته المملة: جاء، وغادر، واستقبل، إلى آخر تلك الأسطوانة القاتلة للضمير.
فجاءت الجزيرة فتحا من الله، وقرارا إستراتيجيا من الشيخ حمد، فتح عيوننا على الرأي الآخر، وسمعنا صوتا ليس صوت الزعيم وجوقته.
لقد كانت الجزيرة إحدى فتكاته العظيمة، وكان قرار إنشائها قرارا ثوريا، لكنها ثورية الداهية العبقري الذي يفتك دون أن ينتبه المترصدون إلى خطر الخطوة التي أقدم عليها.
ولو أدرك الناس شرقا وغربا حينها ما يدركونه اليوم من خطر الجزيرة على الاستبداد السياسي، وعلى التغريب الفكري، وعلى الدعاية الإعلامية الغربية التي كانت تصنع أعداء الأمة من أبناء الأمة، لما قبلوا بها.
لكن الشيخ حمد استطاع أن يفتك على طريقة العرب الفرسان، تماما كما يقول الشنفرى، واصفا فتكته الخاطفة، وتركه الأحاديث للناس:وأصبح عني بالغميصاء جالسا.
فريقان: مسؤول وآخر يسألفقالوا: لقد هرت بليل كلابنا.
فقلنا: أذئب عس أم عس فرعلإن الجزيرة ليست قناة وحسب، لكنها جيش مدجج بأسلحة الوعي والفكر، ومجلس استشاري يقدم للأمة النصح والتوجيه، ويقول لها بكل صدق أين تقع قدمها في الحال، وأين يجب أن تضع خطوتها القادمة.
وقد واجه الشيخ الفقيد، في سبيل الجزيرة وخط تحريرها، ما يهد الجبال الراسيات، لكنه استطاع أن يذيب تلك الصخور، ويحولها إلى نجاح وتمكين.
من فتكاته العظيمة أنه، حين قرر الزعيم الليبي معمر القذافي إبادة أهل بنغازي وغيرها من المدن الثائرة عليه، اتصل به الشيخ حمد طالبا منه التراجع عن قرار قصفها بالطائراتومن دهاء الشيخ حمد، رحمه الله، أنه استطاع أن يخرج ببلده قطر من حصار الجغرافيا الخانقة، ومن تبعة تاريخ العلاقات الخليجية الثقيل، إلى سعة العالم، الذي أصبحت قطر، الدولة الصغيرة، كبيرة المعنى فيه.
وقد برزت عبقريته في أنه قاد نهضة بلاده الداخلية، وصنع سمعتها ومكانتها الدولية، دون أن ينحني أو يبيع مبادئه الكبرى، ودون أن ينحني للغرب الاستغلالي الضاغط.
وكان بوسعه أن يسير على خطى بعض جيرانه الذين دفعوا مبادئهم ومواقفهم من أمتهم ثمنا لنهضتهم الاقتصادية.
أما موقفه من تطلعات الشعوب إلى الحرية، ودعمه للربيع العربي، فأكبر الأدلة على انتمائه إلى الأمة ودهائه السياسي.
لقد عرف أن الشعوب هي الباقية، وأن الأنظمة زائلة، مهما بدت راسخة لغير الناظر الحصيف، فقرر الاصطفاف في الجانب الصحيح من التاريخ.
وهو قرار لا ينتمي إلى السائد من تفكير الأنظمة في المنطقة العربية، التي حولها الربيع إلى بيادق في أيدي الغرب، يبيعها الحكم بدماء شعوبها.
ومن فتكاته العظيمة أنه، حين قرر الزعيم الليبي معمر القذافي إبادة أهل بنغازي وغيرها من المدن الثائرة عليه، اتصل به الشيخ حمد طالبا منه التراجع عن قرار قصفها بالطائرات.
فما كان من الزعيم النزق إلا أن قطع الاتصال في وجهه، وكانت أمريكا ترفض التدخل ضد الزعيم.
لم يكن القذافي يعلم أن الرجل الذي كان يكلمه لا يعرف العجز.
اتصل الشيخ حمد برئيس فرنسا، وطلب منه أن يقنع الناتو بالتدخل لإنقاذ أهل ليبيا عبر قرار مجلس الأمن، واستطاع بذلك إنقاذ شعب كامل.
وإن أنس لا أنس دعوته إلى" قمة غزة"، وكلمته المشهورة التي ظلت تتكرر على شاشات القنوات: " إن نصاب قمة غزة ما إن يكتمل حتى ينقص.
حسبي الله ونعم الوكيل"أما غزة، فذلك ربع عزة بالنسبة إلى الشيخ حمد، رحمه الله.
فقد كان أباها الرحيم، وأخاها الكريم، والقائد الذي ينافح عن حقها، ويدافع عن المرابطين في أكنافها.
فكم بنى فيها من منشأة كبيرة، وكم أغدق عليها من عطايا، وفي كلام قيادات حماس وتصريحاتهم كفاية للمستزيد.
وإن أنس لا أنس دعوته إلى" قمة غزة"، وكلمته المشهورة التي ظلت تتكرر على شاشات القنوات: " إن نصاب قمة غزة ما إن يكتمل حتى ينقص.
حسبي الله ونعم الوكيل"، مشيرا إلى أن زعماء العرب، كلما أعطاه أحدهم موافقة على الحضور، أعاد الاتصال معتذرا.
وقد فسرت تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل سابقا، سبب ذلك بتصريحها المتحدي في الأيام نفسها، وذلك بقولها، مشيرة بيدها إشارة فاضحة: " كلهم مروا من هنا".
رحم الله فقيد الأمة، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك