غيّب الموت، اليوم الأحد، السناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام، عن عمر ناهز 71 عاماً، وذلك بشكل مفاجئ بعد تعرضه لوعكة صحية، وبوفاته، تطوى صفحة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والتأثير في تاريخ السياسة الأمريكية الحديثة.
ورغم أن غراهام ارتبط في الأذهان كأحد أبرز" صقور" السياسة الخارجية والدفاع، إلا أن إرثه التشريعي صاغ ملامح رئيسية في الاقتصاد السياسي للولايات المتحدة طوال الـ25 عاماً الماضية، حيث كان يشغل منصب رئيس لجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، ويخطط للفوز بولاية خامسة مدتها 6 سنوات في مجلس الشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، كونه أحد أكثر أعضاء المجلس شهرة، وصوتاً بارزاً داخل الحزب في قضايا الدفاع والشؤون الدولية.
اقتصاد الدفاع والاستثمار الجيوسياسيمثّل غراهام، الذي انتخب عام 2002 عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية كارولينا الجنوبية، طوال مسيرته القوة الضاربة خلف حشد التأييد لزيادة ميزانيات البنتاغون والإنفاق العسكري الفيدرالي، انطلاقاً من رؤية راسخة تؤمن بأن الأمن القومي شرط أساسي للاستقرار المالي العالمي.
وبناءً على ذلك، انعكس هذا التوجه مباشرة على انتعاش أسهم وعقود شركات التصنيع العسكري الأمريكية الكبرى خلال العقدين الماضيين.
وطوال مسيرته كان غراهام مهندس الحزم التمويلية والعسكرية الضخمة لحلفاء واشنطن، حيث اعتبر الدعم المالي الخارجي بمثابة" استثمار استراتيجي بعائد مرتفع" لحماية النظام المالي والجيوسياسي الغربي أمام القوى المنافسة من المعسكر الشرقي.
ولعل السبب في تأييد غراهام للإنفاق العسكري والاستثمار الجيوسياسي باستمرار كان خلفيته العسكرية، حيث انضم بعد حصوله على الدكتوراه في عام 1981 إلى القوات الجوية الأمريكية، وعمل عضواً في هيئة المحامين العامين وتدريب الضباط، حتى تقاعد عام 2015.
التكيف مع" اقتصاد ترامب"ورغم أن غراهام كان مدافعاً عن مبادئ التجارة الحرة المحافظة، إلا أن مسيرته الاقتصادية شهدت تحولاً راديكالياً مع صعود الرئيس دونالد ترامب، وانخرط بقوة في دعم الأجندة الاقتصادية لترامب ودعم الإصلاح الضريبي التاريخي، حيث صوّت وروج بقوة لصالح" قانون تخفيض الضرائب والوظائف عام 2017"، والذي خفّض ضريبة الشركات الأمريكية من 35% إلى 21%، بهدف تحفيز أسواق المال.
كما أيد غراهام فرض الرسوم الجمركية الحمائية لحماية قطاعات التصنيع الأمريكية، متماشياً مع شعار" أمريكا أولاً" في الولاية الثانية لترامب.
تنمية محلية وانتقادات اقتصاديةوعلى مدار فترة عضويته في مجلس الشيوخ الأمريكي نجح غراهام على مدار العقدين الماضيين في توجيه مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي لتطوير البنية التحتية في ولايته، بما في ذلك تعميق ميناء تشارلستون الاستراتيجي، وجذب استثمارات كبرى لشركات عملاقة مثل" بي إم دبليو" و" بوينغ" لدفع الاقتصاد الأمريكي ككل.
ولكن في المقابل واجه غراهام انتقادات مستمرة من المحللين الاقتصاديين، إذ إن مزجه بين تأييد التخفيضات الضريبية الواسعة والتمسك بزيادة الإنفاق العسكري أسهم بشكل مباشر في القفزات التاريخية التي شهدها الدين العام الأمريكي والعجز المالي خلال آخر 20 عاماً.
ورحل غراهام تاركاً وراءه نموذجاً للمشرّع الذي طوّع الأدوات المالية للدولة لخدمة الاقتصاد العسكري، مرسخاً مبدأ" الازدهار الرأسمالي الأمريكي لا ينفصل إطلاقاً عن القوة العسكرية في الخارج".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك