مر 33 شهراً على 7 أكتوبر، ويبدو أن الحياة عادت إلى مسارها الطبيعي.
الانتخابات تقترب، وبدأن تتصدر عناوين الأخبار آخر تشكيلات التحالفات السياسية والاستطلاعات اليومية، أو الانشغال بموضوع امتثال الحكومة لقرارات المحكمة العليا التي تشغل النظام السياسي – وهذه أزمة مفتعلة أخرى تهدف إلى إبعاد النقاش العام عن قضايا يصعب على الائتلاف تبريرها.
غزة والجرائم الكثيرة التي ترتكب فيها غائبة عن الخطاب العام.
ليس هذا خللاً، بل صفة ملازمة، فهكذا كانت الحال بعد كل جولة انتخابات في العقدين الأخيرين.
الإسرائيليون ينسون بسرعة، هذا النسيان أدى إلى مذبحة 7 أكتوبر، وسيؤدي استمراره إلى انهيار ما بقي من إسرائيل الليبرالية قريباً، وإلى حادث آخر يشبه 7 أكتوبر في المستقبل البعيد.
الأنظمة المسؤولة عن المعرفة في هذا النسيان، ومعها الإعلام والأكاديميا، كلها تساهم في هذا النسيان من خلال طمس غزة.
بصفتي مؤرخاً إسرائيلياً، فقد اخترت توثيق الأحداث في غزة، وهاكم بعض التذكيرات:غزة والجرائم الكثيرة التي ترتكب فيها غائبة عن الخطاب العام.
ليس هذا خللاً، بل صفة ملازمة، فهكذا كانت الحال بعد كل جولة انتخابات في العقدين الأخيرينمحكمة العدل الدولية في لاهاي تتم فيها اليوم محاكمة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية في غزة.
وفي الوقت نفسه، أصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرات اعتقال بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي ووزير الدفاع السابق، وطلبت المحكمة أيضاً إصدار مذكرات اعتقال سرية، على ما يبدو بتهمة مشابهة ضد وزير المالية ووزير الأمن الوطني ووزيرة الاستيطان، بالإضافة إلى اثنين من العسكريين.
لقد قتل أكثر من 73 ألف شخص في قطاع غزة، وأصيب أكثر من 173 ألف شخص.
وأقر رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي هرتسي هليفي، بهذه الأعداد، وصرح بأن أكثر من 10 في المئة من سكان القطاع قتلوا أو أصيبوا.
وهذه الأعداد تشمل ليس أقل من 20 ألف طفل.
واضح للجميع أن هذا العدد أقل من الواقع، وأن عدد القتلى الحقيقي من المرجح أن يكون أعلى.
قبل سنة، قدرت “هآرتس” عدد القتلى بـ 100 ألف (نير حسون، 25 حزيران 2025)، وقتل أكثر من 1000 منهم خلال “وقف إطلاق النار” الحالي.
إسرائيل منعت إدخال الغذاء لشهرين ونصف.
وعندما أمكن استئناف المساعدات، تم ذلك عبر صندوق إغاثة غزة، وهو مشروع إسرائيلي – أمريكي تسبب بقتل حوالي 2600 فلسطيني وإصابة حوالي 20 ألفاً آخرين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء لعائلاتهم.
كما دمرت إسرائيل النظام الصحي في قطاع غزة بشكل منهجي.
وحسب دراسة أكاديمية، انخفض متوسط العمر المتوقع في قطاع غزة إلى حوالي نصف ما كان عليه قبل 7 أكتوبر.
قطاع غزة بات مدمراً.
بعد سنتين على بدء الحرب، تضررت أو دمر حوالي 81 في المئة من مباني القطاع، و90 في المئة من البنى التحتية للطاقة و74 في المئة من الطرق و88 في المئة من البنى التحتية للمياه السطحية، وهذه قائمة جزئية.
تسيطر إسرائيل على المعلومات القادمة من القطاع.
منذ 33 شهراً، لم تسمح الدولة للصحافيين بدخول غزة بشكل مستقل.
الطريقة الوحيدة للدخول تكون عبر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي يتحكم فيما يراه المراسلون، ويطلب منهم الصور التي التقطوها لعرضها على الجيش أولاً.
الرقابة العسكرية ووسائل الإعلام التي تميل إلى فرض رقابة ذاتية، تحول دون حصول الإسرائيليين على صورة للواقع الذي يشكل حياتهم.
تظهر الاستطلاعات أن الرأي العام يحمل آراء متطرفة.
فقد أظهر استطلاع أجراه معهد “آكورد” أن 62 في المئة من الجمهور يعتقدون أنه لا يوجد أبرياء في غزة.
الدولة ومؤسساتها تشجع تطرف اليمين.
وفي انتهاك للقانون، نفذ الجيش عملية تأثير على المواطنين الإسرائيليين، حيث نشر فيلم فيديو يتضمن مشاهد عنف وانتهاكات بالغة بحق الفلسطينيين في قناة سرية في تلغرام.
وقد تمت ترقية قائد العملية مؤخراً إلى منصب مدير هيئة الإعلام الإسرائيلي.
والقاضي ابراهام زرفيف، الذي تفاخر بأنه قام بتسوية غزة بالجرافات، حظي بحمل شعلة في عيد الاستقلال.
نفذ الجيش عملية تأثير على المواطنين الإسرائيليين، حيث نشر فيلم فيديو يتضمن مشاهد عنف وانتهاكات بالغة بحق الفلسطينيين في قناة سرية في تلغرام.
وقد تمت ترقية قائد العملية مؤخراً إلى منصب مدير هيئة الإعلام الإسرائيليإن نظام السجون في إسرائيل يشبه ثقباً أسود يبتلع أرواح من يدخلونه، حيث يحتجز فيه أكثر من 4500 فلسطيني، إما رهن الاعتقال الإداري أو حسب قانون “المقاتلون غير الشرعيين”.
وهذه تعريفات قانونية تسمح باحتجاز الأشخاص دون تهمة أو حقوق أساسية.
ومنذ 7 أكتوبر، لقي أكثر من 100 فلسطيني حتفهم في هذا النظام.
وللمقارنة، مات تسعة سجناء في غوانتانامو خلال 21 سنة.
بموافقة المحكمة العليا، توقفت زيارات الصليب الأحمر للسجناء الفلسطينيين تماماً لأكثر من سنتين ونصف.
ويصف محامون يمثلون الفلسطينيين في نظام السجون وتقارير لمنظمات حقوق الإنسان وتغطية لوسائل الإعلام الدولية، أنواعاً مختلفة من الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، من ضمنها التحرش الجنسي.
أما الفلسطينيون الذين يتم إطلاق سراحهم من السجن، فيخرجون كأشباه بشر.
خلافاً لآمال البعض، فإن الآليات القائمة في المؤسسات الإسرائيلية تعجز عن التحقيق أو ضبط النفس، وهي لا ترغب في ذلك.
وقد تم تجاوز كل الحدود في السنوات الثلاث الأخيرة.
وقال هرتسي هليفي: “لم يقيدني أحد ذات يوم، ولا حتى المدعية العسكرية العامة)”.
وضابط كبير في لواء نظامي، كتب: “نحن (الجيش الإسرائيلي) نحتجز مئات العبيد”، بالإشارة إلى الفلسطينيين الذين نستخدمهم في “إجراء البعوض”.
إن غياب القيم في الميدان دعا نقيباً في الميدان أن يطلب من النظام علناً أن يضع الجهاز حدوداً له ولجنوده (“هآرتس”، 4 تموز).
في الواقع، يعجز الجيش عن الحفاظ على الانضباط في قضايا أبسط من قتل الفلسطينيين.
بعد أكثر من سنتين على معارضة القيادة العليا لرقعة المسيح، حكم على جندي بالسجن شهراً، وتم تخفيف الحكم تحت ضغط سياسي.
في السنتين اللتين اعقبتا هجوم 7 أكتوبر، حصلت آلية التحقيق التابعة لهيئة الأركان على حوالي 400 قضية تحتاج إلى التحقيق فيها.
ولم يُفتح تحقيق إلا في 80 قضية منها (2 في المئة).
ولم تصل قضايا إلحاق الأذى بالمدنيين إلى هذه الآلية.
وقد وثقت هيئة بريطانية مستقلة، استناداً إلى معلومات متاحة للعموم، أكثر من 15500 حالة قتل أو إصابة لمدنيين في قطاع غزة.
ومن بين التحقيقات الكثيرة التي فتحت لم يؤد الكثير منها إلى توجيه لوائح اتهام.
وفي السنة والنصف الأولى من الحرب، لم يتم تقديم إلا ثلاث لوائح اتهام بتهمة ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين: إحداها انتهت بالإدانة، في حين تم إغلاق أخرى تتعلق بجنود القوة 100، الذين وثقت إساءتهم لفلسطيني، ثم أعيد الضباط إلى الخدمة الفعلية، بل وحصلوا على لقاء مع وزير الدفاع، الذي اعتذر لهم.
معظم هذه البيانات معروفة.
ولو كانت الانتخابات ستجري في دولة سليمة لدارت حولها وحول تداعياتها.
ولكن في إسرائيل، صيف 2026، يرجح أن تطوى هذه الصفحة من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك