في الثاني عشر من يوليو عام 1917، شهد العالم أول استخدام لغاز الخردل في التاريخ، عندما أطلقه الجيش الألماني ضد قوات الحلفاء بالقرب من مدينة إيبر البلجيكية خلال الحرب العالمية الأولى.
ولم يكن هذا السلاح مجرد إضافة جديدة إلى ترسانة الحرب، بل شكّل نقطة تحول في تاريخ الصراعات المسلحة، إذ أدخل البشرية مرحلة أكثر قسوة، أصبحت فيها الغازات السامة وسيلة لإحداث إصابات جماعية تفوق أثر الرصاص والمدافع.
من الكلور إلى الخردل.
سباق الموت الكيميائيرغم شهرة غاز الخردل، فإنه لم يكن أول سلاح كيميائي يُستخدم في الحرب العالمية الأولى.
فقد بدأت ألمانيا استخدام الغازات السامة عام 1915 عندما أطلقت غاز الكلور خلال معركة إيبر الثانية، متسببة في مقتل وإصابة آلاف الجنود الفرنسيين.
وسرعان ما ردت بريطانيا باستخدام الغاز نفسه في معركة لوس، لكن تغير اتجاه الرياح أعاد السحب السامة إلى مواقعها، فتحولت التجربة إلى كارثة على الجنود البريطانيين أنفسهم.
ولم يتوقف سباق التسلح عند هذا الحد، إذ استخدمت ألمانيا لاحقًا غاز الفوسجين، الذي أثبت أنه أكثر فتكًا من الكلور، بسبب تأثيره المباشر على الجهاز التنفسي، وكان مسؤولًا عن نحو 85% من الوفيات الناتجة عن الأسلحة الكيميائية خلال الحرب.
في صيف عام 1917، ظهر غاز الخردل للمرة الأولى.
وعلى خلاف الغازات السابقة التي كان تأثيرها سريعًا، تميز هذا السلاح بقدرته على البقاء في التربة والملابس والمعدات لساعات وربما أيام، ما جعل مناطق كاملة غير صالحة للحركة أو القتال.
ويتسبب غاز الخردل في حروق شديدة للجلد والعينين، كما يدمر الجهاز التنفسي عند استنشاقه، وقد يؤدي إلى امتلاء الرئتين بالسوائل واختناق الضحية تدريجيًا، بينما تظهر أعراضه في كثير من الأحيان بعد ساعات من التعرض له، وهو ما جعل الجنود يواصلون القتال دون أن يدركوا أنهم أصيبوا بالفعل.
خلال الحرب العالمية الأولى، أنتجت ألمانيا أكثر من 69 ألف طن من الغازات السامة، مقابل نحو 37 ألف طن لفرنسا و25 ألف طن لبريطانيا.
وتشير التقديرات إلى أن الأسلحة الكيميائية تسببت في إصابة نحو مليون شخص، بينما بلغ عدد الوفيات قرابة 90 ألفًا، لتصبح واحدة من أكثر وسائل القتال إثارة للرعب، رغم أن ضحاياها مثلوا نسبة محدودة مقارنة بإجمالي قتلى الحرب.
من ساحات الحرب إلى الحظر الدوليأثارت الآثار المدمرة للأسلحة الكيميائية موجة غضب دولية بعد انتهاء الحرب، فتم توقيع بروتوكول جنيف عام 1925 الذي حظر استخدام الغازات السامة والأسلحة البيولوجية في النزاعات المسلحة.
وفي عام 1993، جاءت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لتمنع تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وتخزينها، وتلزم الدول بتدمير مخزونها تحت إشراف دولي، لتصبح من أكثر الاتفاقيات نجاحًا في مجال نزع السلاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك