حين نتحدث عن أزمة المناخ، نميل عادةً إلى استحضار صور المصانع والسيارات وحرائق الغابات والعواصف والأحداث المناخية المدمرة، ولكن ثمة وقودا آخر يُغذى الاحتباس الحرارى بصمت، بعيدا عن مؤتمرات المناخ ومفاوضات باريس؛ إنها الحروب.
وفى المنطقة العربية تحديدا، حيث تتراكم النزاعات فوق بيئة هشة أصلا، يغدو هذا الترابط بين الحرب والمناخ واحدا من أخطر التحديات التى تواجه مستقبل المنطقة.
فلم تعد الصراعات والحروب منفصلة عن أزمة تغير المناخ، بل تحولت إلى أحد محركاتها الخفية، لا سيما أن التقديرات تذهب إلى أن الانبعاثات الكربونية للحروب تفوق انبعاثات قطاع الشحن البحرى العالمى.
وعلاوة على ما تسببه الحروب من تراكم فى الانبعاثات، فإنها تعمل على تدمير البنية التحتية، وتعطيل التحول نحو الطاقة النظيفة، واستنزاف الموارد الطبيعية فى واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة مناخيا.
الحروب غائبة عن حسابات المناخرغم أن العمليات العسكرية تُعد من أكثر الأنشطة البشرية استهلاكا للطاقة الأحفورية، فإن انبعاثاتها ظلت لعقود خارج دائرة النقاش المناخى العالمى.
وتُنتج الحروب انبعاثات كربونية هائلة؛ فرغم أن التقديرات تُشير إلى أن الأنشطة العسكرية مسئولة عن نحو 5.
5% من إجمالى الانبعاثات العالمية - وهو ما يتجاوز بكثير حصة قطاع الشحن البحرى البالغة 3% - يبقى الإبلاغ عنها طوعيا وغير ملزم وفق اتفاق باريس للمناخ لعام 2015.
تعود جذور هذا الاستثناء إلى بروتوكول كيوتو عام 1997، حين آثرت الحكومات حماية أنشطتها العسكرية على حساب الشفافية المناخية.
وقد كرست الحرب على غزة هذا الإشكال بصورة جلية؛ إذ كشفت الدراسات أن انبعاثاتها خلال الأشهر الأولى وحدها تجاوزت البصمة الكربونية السنوية للعديد من الدول الأكثر هشاشة وتعرضا لتداعيات تغير المناخ، فيما قد تُفضى إعادة إعمار نحو 100 ألف مبنى متضرر إلى انبعاث ما يزيد على 30 مليون طن من ثانى أكسيد الكربون.
وقد وصف التقييم البيئى الميدانى الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) فى يونيو 2024 الأضرار البيئية فى غزة بأنها «غير مسبوقة»، مع تلوث واسع النطاق للتربة والمياه والهواء، يُهدد النظم البيئية بأضرار لا رجعة فيها.
عالميا، تكمن المعضلة الأكبر فى عدم الإبلاغ عن انبعاثات الأنشطة العسكرية، لا سيما أن أكبر ثلاث دول إنفاقا عسكريا فى العالم - الولايات المتحدة وروسيا والصين - لا توفر بيانات شفافة أو محدثة، وكثير منها لا يفصل بوضوح بين الانبعاثات العسكرية والمدنية، أو لا يُبلغ عنها أصلا.
وفى السياق ذاته، يؤكد تقرير فجوة الانبعاثات 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم يسير بعيدا عن مسار 1.
5 درجة مئوية، بينما يرتفع الإنفاق العسكرى العالمى عاما بعد عام.
فكيف يمكن تحقيق أهداف المناخ بينما أكثر قطاعاته تلويثا لا يزال خارج أى منظومة محاسبة دولية جادة؟ولا تقتصر الانبعاثات على العمليات القتالية المباشرة، بل تشمل حرائق المنشآت النفطية، وانهيار شبكات الكهرباء، والاعتماد المتزايد على المولدات التقليدية، فضلا عن تحويل مسارات الشحن البحرى والجوى إلى مسافات أطول جراء التوترات الأمنية.
وقد قدمت حرب الخليج عام 1991 نموذجا تاريخيا صارخا، حين أدى إحراق مئات آبار النفط الكويتية إلى تغطية أجواء المنطقة بالملوثات لأشهر طويلة، والأمر يتكرر مرة أخرى مع حرق بعض مصافى النفط فى إيران أو فى دول الخليج.
الحروب تحد من التحول الطاقوىلا تكتفى الحروب بإنتاج الانبعاثات، بل تُعطل فى الوقت ذاته مسار التحول الطاقوى الذى تحتاجه المنطقة والعالم.
فحين اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومن بعدها الحرب على غزة، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دفع ذلك الحكومات والشركات سريعا نحو الوقود الأحفورى، والتوجه إلى استخدام الفحم بكثافة، باعتباره الخيار الأسرع والأكثر أمانا من وجهة نظرها، حتى وإن كان أشد تلويثا، من أجل الحد من أزمة الطاقة.
وقد رصد تقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) حول تأثيرات الصراع فى الشرق الأوسط على أسواق الطاقة العالمية ما وصفه المدير التنفيذى للوكالة بأنه «أعظم تهديد لأمن الطاقة العالمى فى التاريخ»، مشيرا إلى أن الاضطرابات فى مضيق هرمز والبحر الأحمر أوجدت أكبر اضطراب فى إمدادات النفط العالمية على الإطلاق.
وفى المقابل، يتضمن تقرير آفاق الطاقة العالمية 2024 الصادر عن الوكالة تحذيرا صريحا؛ فبينما يُتيح ارتفاع أسعار النفط لبعض الاقتصادات النفطية إيرادات إضافية قصيرة الأجل، فإنه يُبطئ فى الوقت ذاته مسار التحول بعيدا عن الوقود الأحفورى.
رغم أن تهديد مصادر الطاقة يمثل البعد الاقتصادى للحروب، فإن المياه تمثل بعدها الوجودى.
فوفقا لبيانات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، يعيش نحو 390 مليون شخص فى المنطقة العربية فى ظروف تتراوح بين الشح المائى والشح المطلق، مما يجعلها الأكثر جفافا بين مناطق العالم.
وتُفاقم الحروب هذه الأزمة عبر ثلاثة مسارات متشابكة: أولها، تدمير البنية التحتية للمياه، كما جرى فى سوريا واليمن وغزة وليبيا.
ثانيا، استنزاف المياه الجوفية بصورة فوضوية نتيجة انهيار مؤسسات الدولة وغياب الرقابة.
ثالثا، تعطيل التعاون الإقليمى حول الأحواض المائية المشتركة، فى وقت تحتاج فيه المنطقة إلى أعلى مستويات التنسيق، إلى جانب تلوث مياه تلك الأحواض، مما يعطل مشروعات تحلية المياه التى تمثل المصدر الأكبر للمياه العذبة فى دول الخليج العربى.
وتُقدر بعض الدراسات أن شح المياه قد يؤدى إلى تراجع الإنتاج الزراعى بنسبة تصل إلى 60% بحلول عام 2050 فى بعض دول المنطقة، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، مما يهدد الأمن الغذائى ويؤدى إلى المزيد من الجوع لدى الفقراء بالمنطقة.
تعانى الكثير من دول المنطقة من هشاشة مناخية، كما أنها تعانى فى الوقت نفسه من تداعيات الحرب، مما يخلق هشاشةً مزدوجةً لكثير من دول المنطقة، إلا أن لكل دولة معادلتها الخاصة فى مواجهة هذا الضغط المزدوج.
فى مصر، يتقاطع تراجع إيرادات قناة السويس مع ارتفاع فاتورة الاستيراد الغذائى، فيما يهدد ارتفاع منسوب البحر مناطق واسعة من دلتا النيل الزراعية.
أما لبنان واليمن، فقد دفع الانهيار الكهربائى وأزمة الطاقة سكانهما إلى الاعتماد المتزايد على مولدات الديزل، مما يُضاف إلى بيئة تعانى أصلا من تداعيات الانهيار الاقتصادى.
وفى العراق وسوريا، يتشابك الجفاف الحاد مع آثار الحرب وانهيار المؤسسات، ليُشكل بيئة خصبة للنزوح والصراعات على الموارد.
ورغم قدرة دول الخليج المالية، فإنها لم تسلم أيضا من تأثيرات الحرب والمناخ، لتجد نفسها أمام تهديدات متصاعدة تطال أمن منشآتها النفطية وسلاسل إمداداتها، علاوة على ظروف الطقس القاسية وتسجيل درجات حرارة قياسية فى فصول الصيف لديها.
ختاما، تكشف هذه المعطيات مجتمعة أن أزمة المناخ لم تعد قضية بيئية منفصلة عن الديناميكيات السياسية والعسكرية، بل باتت جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمى برمته.
فالحروب تُنتج انبعاثات ضخمة، وتُعطل التحولات الطاقوية، وتدمر البنية التحتية المائية والغذائية، بينما يزيد تغير المناخ من احتمالات الفقر والنزوح والصراع، مما يخلق دوامةً مغلقةً.
وبناءً على ذلك، فإن أى استراتيجية جادة لمواجهة تغير المناخ فى المنطقة لا يمكنها تجاهل هذه الحلقة المفرغة، ليبقى الاستثمار فى السلام ليس فقط ضرورة سياسية أو إنسانية وحسب، بل أصبح ضرورة مناخية واقتصادية، فى عالم يزداد سخونةً واضطرابا يوما بعد يوم.
عضو الشبكة العربية للباحثات/ين الشباب فى مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك