في حياة الشعوب تبقى هناك أيام لا تُقاس بما تحمله من طقوس فحسب، بل بما تتركه من معانٍ تمتد عبر الزمن.
وفي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يأتي عيد الرسل كواحد من أهم الأعياد الكنسية التي تستحضر سيرة رجال غيّروا مجرى التاريخ بالإيمان والكلمة والخدمة، بعدما حملوا رسالة المسيح إلى العالم، مقدمين حياتهم شاهدًا لما آمنوا به.
ويحتفل الأقباط اليوم الأحد 12 يوليو 2026 بعيد الرسل، وهو العيد الذي يوافق تذكار استشهاد الرسولين القديسين بطرس وبولس، ويختتم في الوقت نفسه صوم الرسل، أحد أقدم الأصوام في الكنيسة، ولا يقتصر الاحتفال على كونه مناسبة تاريخية، بل يحمل بعدًا روحيًا عميقًا يربط المؤمنين بروح الكنيسة الأولى، ويجدد دعوتهم إلى الإيمان والخدمة والمحبة.
عيد يحمل ذكرى انطلاق المسيحية إلى العالملا يُنظر إلى عيد الرسل باعتباره مجرد تذكار لاستشهاد اثنين من أعظم شخصيات المسيحية، بل باعتباره احتفالًا ببداية مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة، حين خرج الرسل إلى العالم بعد حلول الروح القدس يوم العنصرة، ليبشروا بالإنجيل في مدن وبلاد مختلفة، متحدين الاضطهادات والصعوبات التي واجهتهم.
ومن هنا ارتبط العيد بفكرة الرسالة والانطلاق، إذ أصبح يمثل ذكرى ميلاد الحركة التبشيرية الأولى التي نقلت الإيمان المسيحي من حدود أورشليم إلى مختلف أنحاء العالم القديم، حتى أصبحت الكنيسة تمتد شرقًا وغربًا.
صوم الرسل.
أول صوم بعد العنصرةيسبق عيد الرسل صوم يُعرف باسم" صوم الرسل"، وهو من أقدم الأصوام في التقليد الكنسي، إذ تعود جذوره إلى العصر الرسولي نفسه، عندما صام التلاميذ قبل انطلاقهم للكرازة والخدمة.
ويبدأ الصوم مباشرة بعد انتهاء فترة الخماسين المقدسة التي تعقب عيد القيامة وعيد العنصرة، ولذلك تختلف مدته من عام إلى آخر وفقًا لموعد عيد القيامة، بينما يظل موعد نهايته ثابتًا في 12 يوليو، يوم عيد الرسل.
وفي عام 2026 بدأ الصوم في الأول من يونيو واستمر 41 يومًا، ليختتم بعيد الرسل الذي يمثل ذروة هذه الرحلة الروحية.
لماذا تختلف مدة صوم الرسل كل عام؟يعد صوم الرسل الصوم الوحيد في الكنيسة القبطية الذي تتغير مدته سنويًا، لأن بدايته ترتبط بموعد عيد القيامة، الذي يُحسب وفق التقويم الكنسي، ثم تعقبه فترة الخماسين المقدسة التي تستمر خمسين يومًا، وبعدها يبدأ الصوم مباشرة.
ولهذا قد يطول الصوم في بعض الأعوام، ويقصر في أعوام أخرى، بينما يبقى يوم 12 يوليو هو الموعد الثابت للاحتفال بعيد الرسل، وهو ما يمنح هذا الصوم خصوصية لا توجد في معظم أصوام الكنيسة الأخرى.
مدرسة روحية قبل أن يكون امتناعًا عن الطعاملا تنظر الكنيسة القبطية إلى الصوم باعتباره تغييرًا في نوعية الطعام فقط، وإنما تعتبره تدريبًا روحيًا يساعد الإنسان على مراجعة نفسه والاقتراب من الله.
وفي صوم الرسل تحديدًا تبرز فكرة" التهيئة للخدمة"، فالرسل لم ينطلقوا إلى العالم إلا بعد الصلاة والصوم وامتلائهم من الروح القدس، ولذلك ترى الكنيسة أن هذه الفترة تمثل دعوة لكل مؤمن إلى تجديد رسالته، سواء داخل أسرته أو مجتمعه أو مكان عمله.
ومن هذا المنطلق يصبح الصوم فرصة لتجديد الإيمان، وتنمية روح المحبة، وممارسة أعمال الرحمة، إلى جانب المواظبة على الصلاة وقراءة الكتاب المقدس.
أصوام الدرجة الثانية.
لماذا يسمح فيها بتناول الأسماك؟يصنف صوم الرسل ضمن أصوام الدرجة الثانية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الأصوام التي يُسمح خلالها بتناول الأسماك والمأكولات البحرية، مع الامتناع عن اللحوم ومنتجات الألبان.
ويستثنى من ذلك يومَا الأربعاء والجمعة، إذ يلتزم فيهما الأقباط بالنظام النسكي المعتاد، باعتبارهما يومين يرتبطان بأحداث الصليب في التقليد الكنسي.
وتضم أصوام الدرجة الثانية أيضًا صوم الميلاد وصوم السيدة العذراء، بينما تُعد أصوام مثل الصوم الكبير وأيام الأربعاء والجمعة من أصوام الدرجة الأولى التي تتسم بدرجة نسكية أكبر.
طقس اللقان.
أحد أندر الطقوس الكنسيةمن أبرز ما يميز عيد الرسل إقامة طقس" اللقان"، وهو من الطقوس النادرة في الكنيسة القبطية، إذ لا يُقام سوى ثلاث مرات فقط خلال العام، في عيد الغطاس، وخميس العهد، وعيد الرسل.
ويتضمن الطقس تلاوة نبوات من العهد القديم، ثم الصلاة على الماء، قبل أن يقوم الكاهن برشم المؤمنين بالماء المبارك بعلامة الصليب.
ويحمل هذا الطقس رمزية روحية تشير إلى التطهير الداخلي، والاستعداد لحمل رسالة الإنجيل، واستلهام روح الرسل الذين خرجوا إلى العالم بعد أن امتلأوا من نعمة الروح القدس.
بطرس وبولس.
شخصيتان مختلفتان جمعتهما رسالة واحدةيجمع عيد الرسل بين اثنين من أعظم أعمدة الكنيسة الأولى، رغم اختلاف خلفية كل منهما.
فالقديس بطرس كان واحدًا من تلاميذ المسيح الاثني عشر، واختاره السيد المسيح ليكون من أقرب التلاميذ إليه، وشهد معه أحداثًا مفصلية، قبل أن يقود الكنيسة في بداياتها، وينتهي به الأمر شهيدًا في روما نحو عام 64 ميلادية، حيث صُلب بحسب التقليد الكنسي.
أما القديس بولس، الذي عُرف في البداية باسم شاول الطرسوسي، فقد تحول من مضطهد للمسيحيين إلى أحد أعظم المبشرين بالمسيحية بعد اختباره الروحي الشهير في طريق دمشق، ليقوم بعد ذلك بعدة رحلات تبشيرية أسست كنائس عديدة في العالم القديم، وينال هو الآخر إكليل الشهادة بقطع رأسه خارج أسوار روما.
ورغم اختلاف المسيرة بين الرجلين، فإن الكنيسة تجمعهما في عيد واحد، لأن رسالتهما كانت واحدة، وهي نشر الإيمان حتى آخر لحظة من حياتهما.
عيد يجدد معنى الرسالة والخدمةلا يقف الاحتفال بعيد الرسل عند حدود استذكار الماضي، بل يحمل رسالة معاصرة تؤكد أن الخدمة ليست مسؤولية رجال الدين وحدهم، وإنما دعوة لكل إنسان ليكون مصدر محبة وسلام وخير في محيطه.
وتحرص الكنائس في هذه المناسبة على إقامة القداسات والصلوات الخاصة، إلى جانب العظات التي تتناول حياة الرسل، وما قدموه من تضحيات، وكيف استطاعوا بالإيمان والثبات أن يؤسسوا الكنيسة الأولى رغم ما تعرضوا له من اضطهادات وصعوبات.
كما تمثل المناسبة فرصة لتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف إلى سيرة الرسل، باعتبارهم نماذج للعطاء والتجرد والإخلاص، وهي قيم لا تزال الكنيسة ترى أنها صالحة لكل زمان.
عيد الرسل.
ذكرى تتجدد ورسالة لا تنتهييبقى عيد الرسل واحدًا من أكثر الأعياد ارتباطًا بجوهر الحياة الكنسية، لأنه لا يقتصر على الاحتفال بحدث تاريخي، بل يستدعي روح البدايات الأولى، عندما خرج رجال بسطاء ليحملوا رسالة آمنوا بها إلى العالم كله.
ومع انتهاء صوم الرسل وبدء الاحتفال بالعيد، تستعيد الكنيسة القبطية في كل عام هذه المسيرة الطويلة، مؤكدة أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالكلمات وحدها، بل بما يقدمه الإنسان من محبة وخدمة وتضحية، وهي الرسالة التي تركها القديسان بطرس وبولس للأجيال، وما زالت حاضرة في وجدان الكنيسة بعد ما يقرب من ألفي عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك