في قلب الأزمة التي يعيشها اليسار السوداني اليوم، لا تكمن مجرد هزائم سياسية أو انقسامات تنظيمية عابرة، بل يكمن انهيار النموذج المعرفي-التنظيمي الذي حكم وجوده طوال قرن.
لم يعد “الحزب الطليعي” اللينيني مجرد أداة تاريخية تجاوزها الزمن، بل أصبح عقبة وجودية تحول دون قدرة اليسار على التأثير في مجتمع أصبح أكثر تعقيداً، ذكاءً، وتوزعاً مما كان عليه في مطلع القرن العشرينإن أطروحتي هنا هي أن إصلاح اليسار السوداني لن يتحقق بتجديد اللوائح أو الخطاب، بل يتطلب تجاوز نموذج الحزب الطليعي نحو شكل تنظيمي جديد- الحزب كعقل جمعي متعلم، قادر على إنتاج المعرفة السياسية بشكل مستمر، بدلاً من نقل معرفة محتكرة, و هذا التحول ليس تراجعاً عن المشروع اليساري، بل هو الوفاء الحقيقي لروحه النقدية في عصر الشبكات والذكاء الاصطناعيكان سؤال لينين الشهير «ما العمل؟ » (1902) منطقياً تماماً في سياقه التاريخي؛ حيث كانت المعرفة نادرة، والقمع شاملاً، ووسائل الاتصال بطيئة و حينها، كان الحزب الطليعي — شديد المركزية والانضباط، بقيادة ثوريين محترفين — هو الإجابة الأمثلو لقد نجح هذا النموذج في بناء أحزاب قوية وقيادة ثورات، لكنه بُني على افتراضين أصبحا اليوم غير صالحين- احتكار القيادة للمعرفة- افتراض أن القيادة تمتلك وعياً أعمق من القاعدة والمجتمعالهرمية كضرورة تنظيمية-افتراض أن الهيكل التراتبي هو السبيل الوحيد للفاعليةلقد انهار الافتراض الأول تماماً , اليوم، يمتلك المواطن العادي قدرة فائقة على الوصول إلى المعلومات والتحليلات عبر هاتفه، تفوق ما كان متاحاً لقيادة حزبية قبل عقودو أصبحت المعرفة تُنتج جماعياً في الجامعات، مراكز البحث، منصات التواصل، وحتى عبر الذكاء الاصطناعي.
لم يعد الحزب المصدر الوحيد للوعي، بل صار لاعباً في بيئة معرفية مفتوحةأما الهرمية، فقد صارت عائقاً في “مجتمع الشبكات” كما وصفه مانويل كاستلز، تنتقل القوة من المؤسسات الصلبة إلى الشبكات الأفقية القادرة على الاستجابة السريعةالتنظيم الذي يصر على المركزية المطلقة يجد نفسه أبطأ وأقل كفاءة من الشبكات التلقائية , وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا لم يعد الحزب يحتكر المعرفة، فما الذي يبرر احتكاره للقرار السياسي؟الدرس السوداني- ثورة ديسمبر ولجان المقاومةكشفت ثورة ديسمبر 2018-2019 هذا التحول بجلاء , و بينما كانت الأحزاب التقليدية تتعثر في آلياتها العتيقة، نجحت لجان المقاومة في تعبئة مئات الآلاف عبر صيغ تنظيمية أفقية، مرنة، ومبنية على المبادرة التلقائية.
هذه التجربة، رغم ما واجهته من تحديات في الاستراتيجية واتخاذ القرار، قدمت دليلاً حياً على أن قطاعات واسعة من الشباب أصبحت تنفر من التنظيمات التي “توجّه” وتفضل تلك التي “تستمع”السؤال الذي يجب أن يشغل اليسار ليس «هل كانت لجان المقاومة أفضل؟ » فهذا طرح عقيم بل- لماذا شعر آلاف الشباب أنها أقرب إليهم من الأحزاب التاريخية؟ الإجابة تكمن في القدرة على المشاركة الحقيقية، والاستجابة السريعة، والشعور بامتلاك الفعل السياسي بدلاً من التبعية لهنحو الحزب كعقل جمعي متعلمالحل ليس التخلي عن التنظيم الحزبي، بل التحول الجذري في مفهوم الحزب- من جهاز يمتلك الحقيقة إلى “عقل جمعي متعلم” ينتج المعرفة من خلال التفاعل مع المجتمع , و مستلهمين مفهوم “المنظمة المتعلمة” لبيتر سنج، نرى أن الحزب الناجح اليوم هو الذي لا يعيش على ما يعرفه، بل على قدرته على اكتشاف ما لا يعرفه، وتحويل النقد الداخلي إلى مصدر قوةخصائص الحزب الجديد فيما اري هو الذكاء الموزع- هيكل هجين يجمع بين مركزية استراتيجية محدودة ولامركزية واسعة في التحليل والمبادراتالتعلم المؤسسي- دمج منهجي للبيانات والذكاء الاصطناعي في صياغة السياسات، وتحويل النقاش إلى عمل دراسي دائمالاستماع المنهجي- أن يصبح الحزب “أفضل مستمع” في المجتمع، لا “أكثر متحدث”المرونة الانضباطية- انضباط في القيم والأهداف، ومرونة فائقة في الوسائل والتكتيكاتهذا التحول محفوف بالمخاطر؛ مثل احتمالات التفكك وفقدان الهوية.
لكن البقاء على نموذج أثبت فشله هو الخطر الأكبر ,و الوفاء الحقيقي للماركسية ليس في تكرار صيغها، بل في ممارسة نقدها الجذري للواقع، بما في ذلك واقع اليسار نفسه.
فالماركسية في جوهرها هي “نقد للواقع”، لا “تقديس للنماذج”الطليعة في القرن الحادي والعشرين لم تعد هي التي “تعرف أكثر”، بل هي التي تتعلم أسرع، وتستمع أعمق، وتتكيف أفضل.
الحزب الذي يحتاجه السودان اليوم ليس أقل التزاماً بالعدالة الاجتماعية والمساواة، بل أكثر قدرة على تحويل هذه القيم إلى ممارسة سياسية فعالة في عالم سريع التحولإن تجاوز عصر الطليعة ليس نهاية لليسار، بل بداية لمرحلة جديدة من تطوره , فالأزمة الحالية ليست في غياب المناضلين، بل في استمرار استخدام أدوات صُممت لعالم مضى بعيد عن واقعنا اليوم و اليسار السوداني الذي سيصنع المستقبل هو ذلك الذي يتحرر من “عقدة الطليعة”، ليصبح عقلاً جمعياً لمجتمع يولد أمامنا كل يوم.
في المقال القادم، سنفكك أحد أكثر المفاهيم جدلاً: “المركزية الديمقراطية”؛ هل هي صمام أمان لوحدة الحزب، أم عائق أمام التجديد في عصر الشبكات الرقمية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك