لم يكن انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية حدثاً مفاجئاً، بقدر ما كان إعلاناً عن فشل محاولة تأجيل الصراع لا إنهاءه.
فمنذ اللحظة التي وقّعت فيها واشنطن وطهران على المذكرة، بدا واضحاً أن ما جرى لم يكن اتفاقاً سياسياً يعالج جذور الأزمة، بل هدنة تكتيكية فرضها الإنهاك العسكري المتبادل، ووفرت للطرفين فرصة لإعادة ترتيب الأوراق أكثر مما فتحت الطريق نحو تسوية تاريخية.
لذلك، لم يكن مستغرباً أن تعود الضربات العسكرية المتبادلة بمجرد اصطدام التفاهم بالملفات التي جرى ترحيلها عمداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل العقوبات، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ودور إيران الإقليمي، وحدود الوجود العسكري الأمريكي في الخليج.
في العلاقات الدولية، لا تعيش الاتفاقات المؤقتة طويلاً عندما تُبنى على إدارة الأزمة بدل حلها.
وهذا تحديداً ما حدث بين الولايات المتحدة وإيران.
فالمذكرة لم تكن معاهدة سلام، ولم تتضمن آليات قانونية ملزمة، بل وضعت إطاراً عاماً لمفاوضات تمتد ستين يوماً، مع ترك أكثر الملفات حساسية معلقة بانتظار جولات تفاوض لاحقة.
وقد وصف تقرير معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول(Quincy Institute for Responsible Statecraft) المذكرة بأنها «فرصة هشة لكسر دائرة الإكراه والمقاومة»، محذراً من أن استخدامها كاستراحة قبل استئناف الضغوط، سيقود حتماً إلى إعادة إنتاج دورة التصعيد نفسها.
المشكلة الأساسية أن كل طرف دخل المفاوضات وهو يحمل تصوراً مختلفاً لمعنى الاتفاق نفسه.
بالنسبة لواشنطن، كانت المذكرة وسيلة لاحتواء الحرب وفتح باب تفاوض يفرض قيوداً أشد على البرنامج النووي الإيراني، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري قائمة.
أما طهران، فقد تعاملت معها باعتبارها اعترافاً أمريكياً بفشل سياسة الإخضاع العسكري، وفرصة لانتزاع تخفيف للعقوبات مع الاحتفاظ بأوراق القوة التي بنتها خلال العقود الماضية.
وبين هذين التصورين المتناقضين، لم يكن الاتفاق سوى هدنة مؤقتة تنتظر أول اختبار حقيقي.
في العلاقات الدولية، لا تعيش الاتفاقات المؤقتة طويلاً عندما تُبنى على إدارة الأزمة بدل حلها.
وهذا تحديداً ما حدث بين الولايات المتحدة وإيرانولعل ما سرّع انهيار التفاهم هو استمرار أزمة الثقة التي تراكمت بين الطرفين منذ انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي عام 2018.
فالإيرانيون دخلوا المفاوضات وهم يطالبون بضمانات تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من الانسحاب مجدداً، بينما رفضت واشنطن تقديم مثل هذه الضمانات، متمسكة بمنطق الضغط التدريجي، وربط أي تخفيف للعقوبات بسلوك إيران الإقليمي وبرنامجها النووي والصاروخي.
وفي المقابل، رفضت طهران توسيع جدول المفاوضات ليشمل الصواريخ الباليستية أو نفوذها الإقليمي، معتبرة أن هذه الملفات تتعلق بأمنها القومي ولا تدخل ضمن أي تفاوض نووي.
وهكذا بقيت المفاوضات تدور حول إدارة الخلاف لا تجاوزه، لكن العامل الأكثر تأثيراً في انهيار المذكرة كان مضيق هرمز، الذي عاد ليؤكد أنه ليس مجرد ممر بحري، بل مركز الثقل الجيوسياسي في الصراع الأمريكي الإيراني.
فالهجمات على السفن التجارية، والخلاف حول حق إيران في تنظيم الملاحة داخل المضيق، أعادا الأزمة إلى مربعها الأول.
الولايات المتحدة اعتبرت أن استهداف السفن يمثل انتهاكاً مباشراً للتفاهم، وتهديداً لحرية الملاحة الدولية، بينما أصرت طهران على أن إدارة المضيق تدخل ضمن سيادتها الأمنية، وأن واشنطن هي التي خرقت الاتفاق بمحاولة فرض ترتيبات ملاحية جديدة دون موافقة إيران.
ومع أول مواجهة بحرية، سقطت الهدنة عملياً، لتبدأ موجة جديدة من الضربات العسكرية المتبادلة.
ولم يقتصر انهيار مذكرة التفاهم على تبادل الضربات العسكرية، بل تُرجم أيضا الى هجوم في الخطاب السياسي الأمريكي، ففي ختام قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، أعلن الرئيس دونالد ترامب عملياً وفاة المذكرة عندما قال، إن «وقف إطلاق النار انتهى»، مضيفا أن المفاوضين الأمريكيين «يمكنهم أن يتحدثوا، لكنني أعتقد أنهم يضيعون وقتهم»، قبل أن يشن هجوماً حاداً على القيادة الإيرانية واصفاً إياها بأنها «مجموعة من الكذابين.
إنهم كذابون، وغشاشون، وأناس مرضى»، ثم عاد ليقول إنه سيترك الأمر للمفاوضين الأمريكيين، لكنه في الوقت نفسه أعلن أن الولايات المتحدة ستواصل ضرباتها العسكرية إذا اقتضت الضرورة.
هذا الخطاب لم يقرأ على أنه مجرد انفعال سياسي، بل كأعلان رسمي بانتهاء المرحلة الدبلوماسية والعودة إلى سياسة الضغط بالقوة، بما يعني أن واشنطن لم تعد ترى في مذكرة التفاهم إطاراً صالحاً لإدارة الأزمة، وإنما تجربة استنفدت أغراضها بعد أن فقدت الثقة بإمكان إلزام طهران بما تم الاتفاق عليه.
اللافت أن الطرفين لا يبدوان راغبين في حرب شاملة، رغم ارتفاع مستوى التصعيد، فالتقديرات الغربية، كما نقلتها صحيفتا «التلغراف» و»الغارديان»، تشير إلى أن واشنطن تدرك أن أي حرب مفتوحة ستعرّض قواعدها في الخليج لهجمات واسعة، وستدفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، فضلاً عن غياب التأييد الشعبي الأمريكي لحرب جديدة في الشرق الأوسط، ولذلك تميل الإدارة الأمريكية إلى خيار الضربات المحدودة، مقرونة بالعقوبات الاقتصادية والضغط السياسي، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً إذا توفرت ظروف أفضل.
وفي المقابل، تبدو إيران وقد أعادت صياغة مفهوم الردع لديها، فبعد التجربة العسكرية الأخيرة، لم تعد تراهن فقط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما على الجغرافيا نفسها.
فمن يسيطر على مضيق هرمز وباب المندب يمتلك قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي، من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية تقليدية، ولهذا لم يكن غريباً أن تتجه الاستراتيجية الإيرانية نحو رفع كلفة الوجود الأمريكي عبر استهداف خطوط الملاحة والطاقة، بدلاً من الانخراط في معركة نظامية تعرف مسبقاً أنها ستكون باهظة الثمن.
وإذا كان انهيار المذكرة يكشف شيئاً، فهو حدود القوة العسكرية في إدارة الأزمات المعقدة.
فالحرب الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، لكنها لم تدفع طهران إلى الاستسلام.
كما أن إيران، رغم قدرتها على إرباك المصالح الأمريكية، لم تستطع إجبار واشنطن على التخلي عن سياسة الاحتواء.
أي أن الطرفين خرجا من المواجهة أكثر اقتناعاً بأن الآخر لا يمكن هزيمته بسهولة، لكنهما لم يقتنعا بعد بأن التسوية الشاملة هي الخيار الوحيد القابل للحياة.
ولا يمكن إغفال البعد الإسرائيلي في هذا المشهد.
فتل أبيب تنظر إلى أي اتفاق أمريكي إيراني من زاوية تأثيره على ميزان القوى الإقليمي، وتخشى أن يمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية.
وفي المقابل، ترى دوائر بحثية إسرائيلية أن مذكرة التفاهم، رغم أنها حققت لواشنطن بعض المكاسب التكتيكية، فإنها أضعفت في الوقت نفسه أدوات الضغط الأمريكية على إيران، بما قد يفرض مستقبلاً العودة إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف بعيدة المدى.
أما دول الخليج، فهي تبدو الطرف الأكثر قلقاً من عودة التصعيد.
فهذه الدول عارضت الحرب منذ بدايتها، لكنها تجد نفسها في كل مرة تتحمل تداعياتها الأمنية والاقتصادية، من تهديد المنشآت النفطية إلى اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين والشحن.
وقد أشارت كيم غطاس في تقرير لمركز كارنيغي للشرق الاوسط، إلى أن دول الخليج فوجئت أصلاً بمذكرة تفاهم لم تعالج الملفات التي تقلقها، مثل الصواريخ الباليستية والوكلاء الإقليميين، الأمر الذي جعلها تنظر إلى الاتفاق بوصفه هدنة أمريكية إيرانية أكثر منه تسوية إقليمية شاملة.
الراجح أن المنطقة تتجه الآن إلى مرحلة جديدة تختلف عن الحرب التي سبقتها، فبدل المواجهة المفتوحة، سنكون أمام استنزاف طويل الأمد، تتخلله ضربات عسكرية محسوبة، وضغوط اقتصادية متبادلة، ورسائل ردع متكررة، مع إبقاء قنوات الاتصال السياسية مفتوحة خشية الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها أحد.
إنها معادلة تقوم على إبقاء الخصم تحت الضغط، من دون دفعه إلى نقطة الانفجار الكامل.
لهذا فإن السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب بين واشنطن وطهران؟ بل أصبح: إلى متى يستطيع الطرفان إدارة هذا المستوى من التصعيد، من دون أن يخرج عن السيطرة؟ فالتاريخ الحديث للعلاقة بينهما يثبت أن المشكلة ليست في غياب الاتفاقات، بل في غياب الثقة والضمانات التي تجعل تلك الاتفاقات قابلة للحياة.
وما دام كل طرف ينظر إلى التفاوض باعتباره امتداداً للصراع بوسائل أخرى، فإن أي مذكرة تفاهم جديدة ستظل مجرد هدنة مؤقتة في حرب مؤجلة، لا أكثر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك