احتفلت أمريكا مؤخرا بمرور 052 عاما على تأسيسها، وطرحت بتلك المناسبة آراء كثيرة حول تجربتها في مجالات عديدة كالتعايش بين الأعراق والأديان والثقافات، وكذلك دورها في إحلال الأمن والسلم الدوليين في ظل تنامي قوتها العسكرية ونفوذها السياسي، ومدى إمكان خلق توازن اقتصادي في ظل صعود الصّين إلى المرتبة الثانية اقتصاديا.
كما طرحت جوانب أخرى للتجربة الأمريكية التاريخية والدور الحالي لكبرى دول العالم.
فهي دولة محكومة من اليمين المتطرف الذي ينظر للسود والمهاجرين من منظور عنصري، ويسعى لإبقاء الرجل الأبيض في موقع الصدارة والقوّة.
وقد اكتسبت أمريكا موقعها الدولي بعد الحرب الباردة بعد أن تفكّك الاتحاد السوفياتي وأصبح العالم أحادي القطبية.
وقد خاضت حروبا عديدة بعد الحرب العالمية الثانية، وكان لها دور بارز في الحرب الكوريّة ثم حرب فيتنام.
وشيئا فشيئا شعر رؤساؤها بضرورة التوقف عن خوض الحروب حفاظا على إمكانات أمريكا وتجنيبا لها من مخاطر الصراع العسكري وتكاليفه.
ولكنها وجدت نفسها في موقع المدافع عن قيم الغرب بعد أن توسعت رقعة الشيوعية.
وكانت ثورة إيران الإسلامية عاملا في تحريك مشاعر أمريكا ودفعها للتدخل في الصراعات الدولية دفاعا عن نفسها وحفاظا على موقعها المتقدم في حلف الناتو وفي العالم السياسي الغربي، وكذلك في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
ولكنّ العالم لن ينسى أنها بدأت عهدها في السيطرة على العالم باستخدام القنبلة النووية للمرّة الأولى في التاريخ البشري، وكشفت عنفها المفرط الذي كرّرته لاحقا في فيتنام ولاوس وأفغانستان والعراق.
وكان آخر فصول ذلك العنف استهداف زعماء الدول بالاختطاف كما حدث مع رئيس فنزويلا والاغتيال كما حدث مع آية الله السيد علي خامنئي.
بين الحين والآخر يشعر قادة أمريكا بالتعب من التمدد العسكري والسياسي خارج الحدود الأمريكية، ويقرّرون الانسحاب التكتيكي من المواجهة، ولكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم مدفوعين بغرائزهم للهيمنة والاحتلال للقيام بدور عسكري متقدم، خصوصا في ضوء التفاعلات الفكرية والسياسية في عالم متموّج.
ومنذ وصول دونالد ترامب للرئاسة، سعى لإذكاء شيء من المشاعر الوطنية في نفوس الشعب الأمريكي ورفع شعار «لنجعل أمريكا قوية مجدّدا».
وليس واضحا بعد ما إذا كان شعار «ماغا» عنوانا لمشروع صحوة أمريكية جديدة، أم محاولة لخلق مجد شخصي من قبل الرئيس الذي ما فتئ يرفع شعارات صاخبة قلّما ينجم عنها مشاريع عملية لتحقيق أمن حقيقي سواء لأمريكا أم العالم.
والواضح أنه لم يحقّق ما أراد، خصوصا بلحاظ التراجع الاقتصادي الأمريكي في مقابل صعود الصّين اقتصاديا، وهو صعود لا يمكن وقفه.
فهناك ديناميكا سياسية في المجتمعات، ترتكز على عدد من الامور من بينها: حتمية التغيير، شيخوخة الأداء وتراجعه، تغير المذاقات والأمزجة، التغيرات المجتمعية والتداول على السلطة.
وأمريكا ليست بمعزل عن هذه الظواهر الطبيعية المرتبطة بحركة المجتمعات.
وهذا يؤكد وجود «حياة» في هذه المجتمعات تمنعها من الجمود أو الاستسلام للواقع الراهن، وتحرّك فيها الرغبة المتواصلة للتغيير.
وإلّا فمن كان يتوقع أن يفوز أندي بيرنهام، في الانتخابات البريطانية ليصل إلى منصب رئيس الوزراء وهو الذي لم يمارس دورا دبلوماسيا متقدما من قبل أو يتقلد وظيفة وزارية.
وما يحول دون التغيير أحيانا وجود موانع مصطنعة تعرقل جهود التغيير، ولكن بشكل مؤقت فحسب، إذ سرعان ما تتغلب الطبيعة الفطرية لتلك السنن على المعوّقات البشرية التي لا تستطيع الاستمرار أو فرض التغيير في الوقت والمكان المناسبين.
من المؤكد أن سيطرة اليمين المتطرف على مقاليد الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية ينذر بأخطار أكبر تهدد الأمن والسلم الدوليينلا شكّ أن لدى أمريكا آليات داخلية لضبط إيقاع حركة السياسة، خصوصا مع تراثها الديمقراطي الذي مارسته منذ حرب الاستقلال بين عامي 5771 و 3871.
ومع تعمّق كيان الدولة، وصعودها إلى صدارة العمل السياسي الدولي خصوصا بعد أدائها الكبير في الحرب العالمية الثانية، أصبحت أمريكا كيانا راسخا، كبقية الدول الغربية.
ومع التزام قادتها بإرث «الآباء المؤسسين» احتفظت أمريكا بهويتها التي انعكست في أنماط تعاطي حكوماتها مع القضايا المحلّية والدولية.
وساهمت التجارب الأمريكية في القرن الأخير بدفع هذا الكيان العملاق الى واجهة السياسة الدولية بشكل ملحوظ.
فلا شكّ أن تدخلها في العام 6591 لإحداث توازن مع التحالف الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي الذي سعى لإفشال المشروع المصري لتأميم قناة السويس في عهد جمال عبد الناصر، وفّر لواشنطن فرصة جديدة لممارسة دور سياسي فاعل على الصعيد الدولي.
ولكنه حوّلها إلى محور أساس في صراعات الحرب الباردة، وساهم في إحداث حالة استقطاب غير مسبوق في العلاقات الدولية.
ونجم عن ذلك الصراع وصول العالم إلى حافة حرب نووية كادت تنفجر في العام 2691.
وقد ارتبطت أزمة غزو خليج الخنازير ارتباطاً وثيقاً بأزمة الصواريخ الكوبية عام 2691، حيث شكلتا معاً ذروة الحرب الباردة التي كادت تشعل حرباً نووية مدمرة.
ومع ذلك لا يبدو أن تلك الحوادث أدّت إلى تغيرات ملحوظة في السياسة الأمريكية، فما تزال أمريكا هي أمريكا بسياساتها ونزوعها نحو الهيمنة من خلال الحرب.
ولولا التسلح النووي السوفياتي، لربما استغلت امريكا قدراتها العسكرية للتورط في حروب كبرى في الشرق الأوسط، سواء من أجل فرض الهيمنة والسيطرة على منابع النفط أم لحماية «إسرائيل».
لذلك يصعب قراءة ما يدور في عقول الرؤساء الأمريكيين الذين توالوا على الحكم طوال العقود الثمانية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وبرغم الاعتقاد السائد بأن دونالد ترامب يمثل الأسوأ بين أولئك الرؤساء على صعيد الغرور الشخصي والغطرسة والتنمّر السياسي والفساد الأخلاقي، فإنه في الوقت نفسه، يمثل حلقة اخرى في السياسات الأمريكية التي يعتقد البعض أنها مرتهنة لدى اللوبي الصهيوني بشكل كبير.
ومن المؤكد أن سيطرة اليمين المتطرف على مقاليد الأمور في الولايات المتحدة الأمريكية ينذر بأخطار أكبر تهدد الأمن والسلم الدوليين.
فهؤلاء الزعماء الذين يحاولون دغدغة عواطف الشعب الأمريكي بشعارات جوفاء، يخشون انتهاج سياسات غير منسجمة مع إرادته ومصالحه الاقتصادية.
ويمكن القول إن من أكبر معوّقات الطموح السياسي لدى ترامب الخشية من صعود أسعار النفط بما يؤثر على مستوى معيشة الشعب الأمريكي ويضغط على إمكاناتهم الماليّة.
وتعرف إيران هذه الحقيقة، وترى أن أكبر سلاح تملكه في مقابل الترسانة العسكرية المدمّرة التي تمتلكها أمريكا، يتمثل بسيطرتها على مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يغذّي العالم بخُمس احتياجاته النفطية.
وليس مستبعدا أبدا أن تسعى أمريكا لوضع يديها على ذلك المضيق لمنع إيران من التحكّم فيه.
وهذا خيار خطير جدّا لأنه يتطلب إنزال قوات أمريكية على نطاق واسع على جانبي المضيق، لإضعاف القبضة الإيرانية عليه.
وهذا خيار سوف يؤدّي بشكل حتمي لمواجهة عسكرية كبرى بين إيران وأمريكا.
ومرة أخرى تبدو المصالح الإسرائيلية عاملا أساسيا في أي قرار أمريكي حول تصعيد المواجهة مع إيران.
وليس من المبالغة في شيء الادّعاء بأن تجربة المواجهات السابقة ليست مشجّعة للطرف الأمريكي والإسرائيلي.
فللمرّة الأولى في تاريخ الصراع تتعرض تل أبيب للدمار الذي شاهد العالم على شاشات التلفزيون بعضه، عندما دكّت الصواريخ الإيرانية تل أبيب ويافا وحيفا.
كانت تلك الضربة كافية لإفهام التحالف الانكلو- صهيوني بأن المواجهة مع إيران لن تكون نزهة ممتعة، بل قد تؤدّي إلى هجرة جماعية واسعة وبداية حقيقية لتدمير الاحتلال.
تمثل الذكرى الـ 052 محطة تاريخية لدولة بدأت باتحاد 31 مستعمرة أعلنت انفصالها عن بريطانيا، قبل أن تتوسع جغرافيّا وسكانيّا واقتصاديّا، وتتحول خلال القرن العشرين إلى القوة الأكثر تأثيرا في النظام الدولي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي قيمة الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في عام 6202 بنحو 32.
38 تريليون دولار، ما يبقي الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم بالقيمة الاسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك