في كل مرة يحقق فيها منتخب مصر إنجازاً، أو يقدم أداءً يليق باسم الوطن، ينصرف كثيرون إلى الحديث عن الخطط الفنية، وطريقة اللعب، واختيارات المدرب، والإحصائيات، ونسب الاستحواذ، وكأن كرة القدم مجرد معادلات تكتيكية تُحسم داخل المستطيل الأخضر.
والحقيقة أن ما يحدث داخل الملعب يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، وربما بعقود، عندما يولد طفل في قرية صغيرة، أو حي شعبي، أو نجع بعيد، ويحمل بين يديه كرة بسيطة، ويقرر أن يحلم.
ولهذا فإن منتخب مصر الحالي ليس مجرد مجموعة من اللاعبين، بل هو كتاب مفتوح من قصص الكفاح المصرية.
وكل لاعب يرتدي قميص المنتخب يحمل في داخله رحلة طويلة من الصبر، والتحدي، والإيمان، والانتصار على الظروف.
ولذلك فإن قيمة هؤلاء اللاعبين لا تكمن فقط فيما يحققونه من أهداف أو بطولات, وإنما فيما يقدمونه من نماذج حقيقية للشباب المصري بأن الطريق إلى النجاح لا يبدأ من الثراء أو الشهرة، وإنما يبدأ من الإرادة.
انظر إلى محمد صلاح… لم يولد وفي يده عقد احتراف، ولم يكن الطريق أمامه مفروشاً بالورود.
كان يسافر ساعات طويلة يومياً من قريته في محافظة الغربية إلى القاهرة من أجل التدريب، ويعود مرهقاً ليبدأ اليوم التالي بالحلم نفسه.
تحمل التعب، وواجه الإحباط، وتقبل النقد، ولم يسمح لأي عائق بأن يسرق منه حلمه.
واليوم أصبح اسم محمد صلاح يردد في أكبر ملاعب العالم، لكنه لم ينس يوماً جذوره، وظل نموذجاً للإنسان المصري الذي يؤمن بأن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للنجاح.
وليس محمد صلاح وحده.
فمصطفى عبدالرؤوف «زيكو» يقدم درساً آخر في معنى الإصرار.
خرج من مركز شباب بسيط، وتنقل بين أندية الدرجات المختلفة، ولم يفقد ثقته في نفسه، حتى وصل إلى الدوري الممتاز ثم إلى منتخب مصر.
إنها رسالة لكل شاب يجلس اليوم على مقعد في أحد مراكز الشباب، ويظن أن الطريق قد انتهى لأن أحداً لم يره بعد.
فالموهبة الحقيقية لا تموت، لكنها تحتاج إلى الصبر والعمل، ومن يؤمن بنفسه يصل مهما تأخر.
ثم تأتي قصة هيثم حسن، ابن الجذور الأسوانية، لتؤكد أن الانتماء ليس مجرد مكان ميلاد، وإنما هو إحساس وهوية ووفاء للوطن.
لقد اختار أن يحمل راية مصر، وأن يكون جزءاً من حلم شعبها، فأضاف قصة جديدة إلى سجل أبناء الوطن الذين يؤكدون أن مصر تسكن القلوب مهما ابتعدت المسافات.
وعندما نتحدث عن الكفاح، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز عمر مرموش، الذي خاض رحلة احتراف شاقة في أوروبا، متنقلاً بين التجارب، متحملاً ضغوط المنافسة، حتى أصبح أحد أهم عناصر المنتخب.
وكذلك محمود حسن تريزيجيه، الذي عرف معنى السقوط والعودة، والإصابة والشفاء، ثم عاد أكثر قوة وإصراراً.
ومحمد الشناوي الذي انتظر سنوات طويلة حتى أصبح الحارس الأول لمصر، ليؤكد أن الصبر قد يكون أصعب من الموهبة، لكنه أكثر قيمة.
كما أن أسماء مثل أحمد سيد «زيزو»، وإمام عاشور، ومحمد عبدالمنعم، ومروان عطية، ومحمد هاني، ورامي ربيعة، وإبراهيم عادل، وحمدي فتحي، ومصطفى شوبير، ومهند لاشين، وياسر إبراهيم، وغيرهم، تؤكد أن الطريق إلى المنتخب لا يُفتح إلا لمن يملك العزيمة والانضباط قبل المهارة.
ولا يمكن أن تكتمل الصورة دون التوقف أمام تجربة التوأم حسام وإبراهيم حسن، اللذين خرجا من قلب الشارع المصري، وحملا طموحاً بلا حدود، حتى أصبحا من أساطير الكرة المصرية.
لم يكن طريقهما سهلاً، لكنه كان مليئاً بالتحديات التي صقلتهما.
واليوم، وهما يقودان المنتخب، فإنهما ينقلان إلى اللاعبين الروح نفسها التي تربيا عليها: روح القتال، وعدم الاستسلام، والإيمان بأن قميص منتخب مصر مسئولية قبل أن يكون شرفاً.
إن هذا الجيل من اللاعبين لا يجمعه الأداء الفني فقط، وإنما تجمعه شخصية مختلفة.
شخصية تؤمن بأن اسم مصر أكبر من أي لاعب، وأن الجماهير تستحق التضحية، وأن الانتصار لا يتحقق إلا عندما تتحول المجموعة إلى أسرة واحدة.
وربما لهذا السبب شعر المصريون بأن المنتخب استعاد شخصية المقاتل التي افتقدناها في فترات كثيرة.
لقد شاهدنا فريقاً لا يعرف اليأس، ولا يستسلم إذا تأخر، ولا يخشى مواجهة المنتخبات الكبرى، بل يدخل المباريات وهو مؤمن بأنه قادر على المنافسة.
وهذه الروح لم تأت من فراغ، وإنما جاءت من الإخلاص، والانضباط، والاحترام المتبادل بين اللاعبين والجهاز الفني، والإيمان بأن تمثيل مصر تكليف قبل أن يكون تشريفاً.
ولعل أهم ما يلفت الانتباه أن معظم هؤلاء اللاعبين لم يخرجوا من مدارس كروية فاخرة، ولم ينشأوا في بيئات مرفهة، وإنما خرجوا من الشوارع، والحواري، والقرى، والنجوع، ومراكز الشباب.
وهذا هو سر قوة الكرة المصرية.
فمصر ليست دولة تستورد المواهب، بل هي دولة تصنعها.
في كل حي شعبي يوجد طفل يراوغ أصدقاءه في شارع ضيق.
وفي كل قرية يوجد شاب يلعب حافي القدمين في ملعب ترابي.
وفي كل مركز شباب هناك موهبة تنتظر من يكتشفها.
وربما يكون بين هؤلاء طفل سيصبح محمد صلاح القادم، أو زيكو الجديد، أو حارساً يرفع كأساً باسم مصر.
لكن هذه الأحلام تحتاج إلى مَن يؤمن بها.
ومن هنا فإن الدور الحقيقي لمراكز الشباب لا يقل أهمية عن دور الأندية الكبرى.
فهذه المراكز ليست مجرد ملاعب لممارسة الرياضة، وإنما مؤسسات وطنية تصنع الإنسان قبل اللاعب.
إنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل الانضباط، والعمل الجماعي، واحترام المنافس، وتحمل المسئولية، وقبول الفوز والهزيمة.
ولذلك فإن الاستثمار في مراكز الشباب هو استثمار في مستقبل مصر، وليس في كرة القدم وحدها.
كما أن المدارس، والجامعات، والإعلام، والأسرة، جميعها مطالبة بأن تقدم قصص هؤلاء اللاعبين كنماذج نجاح حقيقية.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى مشاهدة الأهداف، بل يحتاجون إلى معرفة الطريق الذي سبق الهدف.
يحتاجون إلى أن يعرفوا عدد مرات الفشل، وعدد ساعات التدريب، وحجم التضحيات، حتى يدركوا أن النجاح لا يولد فجأة.
ولعل أجمل ما قدمه منتخب مصر في هذه المرحلة أنه أعاد إلينا الثقة في الشخصية المصرية.
لقد رأينا لاعبين يقاتلون حتى الدقيقة الأخيرة، ويؤمنون بأن المستحيل يمكن أن يتحول إلى واقع بالإصرار والعمل.
وهذه الروح هي ما نحتاجه في كل المجالات، في الصناعة، والتعليم، والبحث العلمي، والثقافة، والإعلام، والاقتصاد.
فما يصنع لاعباً عظيماً هو نفسه ما يصنع طبيباً ناجحاً، ومهندساً مبدعاً، وعالماً متميزاً، وإعلامياً مسئولاً.
إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي مدرسة وطنية كبرى.
وعندما يكون المنتخب مليئاً بقصص الكفاح، فإنه يصبح رسالة أمل للمجتمع كله.
فكل هدف يسجله لاعب مصري يسبقه آلاف الساعات من التدريب، وكل انتصار يحققه المنتخب يسبقه سنوات من الصبر والإيمان بالحلم.
ولذلك فإن واجبنا اليوم ألا نكتفي بالاحتفال بالنتائج، بل أن نحافظ على المنظومة التي صنعت هذه النماذج.
علينا أن نطور مراكز الشباب، ونوسع قاعدة اكتشاف المواهب، ونوفر التدريب العلمي، والرعاية الصحية، والدعم النفسي، والتعليم المتوازن، حتى تستمر مصر في إنجاب الأبطال.
وأخيراً، فإن أجمل ما في منتخب مصر ليس عدد أهدافه، ولا عدد انتصاراته، وإنما الرسالة التي يقدمها لكل طفل مصري: لا تخجل من بدايتك، ولا تستسلم لظروفك، ولا تجعل الفقر أو البعد أو قلة الإمكانيات عذراً للتراجع.
فمن بين الحواري، ومن قلب القرى، ومن ملاعب مراكز الشباب، خرج محمد صلاح، وزيكو، وعمر مرموش، وتريزيجيه، ومحمد الشناوي، وزيزو، وإمام عاشور، ومحمد عبدالمنعم، وغيرهم.
وسيخرج غداً آلاف الأبطال الجدد، لأن مصر كانت وستظل ولّادة، تنجب في كل جيل من يحمل رايتها، ويكتب اسمها بحروف من نور في ملاعب العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك