غيّب الموت أمير قطر السابق، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحد أبرز الشخصيات التي صنعت التحول السياسي والاقتصادي في تاريخ قطر الحديث، وأحد القادة العرب الذين ارتبط اسمهم بمواقف مبكرة وحاسمة إلى جانب الشعب السوري منذ انطلاق ثورته عام 2011.
ونعى الديوان الأميري في قطر في بيان، اليوم الأحد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي توفي صباحا عن عمر ناهز 74 عاما.
" الأمير الوالد": النشأة والمسيرة السياسيةولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 1952 في مدينة الدوحة حيث تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم التحق بكلية ساند هيرست العسكرية بالمملكة المتحدة، وفيها تخرج في تموز 1971 وانضم إلى القوات المسلحة القطرية.
وفي عام 1977 بُويِع الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وليا للعهد وعُيّن وزيرا للدفاع.
وفي عام 1989، أصبح رئيسا للمجلس الأعلى للتخطيط، وهو المجلس الذي كان مسؤولا عـن رسم السياسات الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.
وقد تولى الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، وفي عام 2013 سلّم الحكم إلى ولي عهده آنذاك الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الحالي.
ويسجل للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وقوفه إلى جانب قضايا الشعوب العربية، خاصة في مرحلة ثورات الربيع العربي، بما في ذلك موقفه الداعم للثورة السورية منذ اندلاعها، حيث سخرت قطر جهودها الدبلوماسية والسياسية والإنسانية لنصرة الشعب السوري والتأكيد على حقه في تقرير مصيره.
مرحلة كاملة من العلاقات بين دمشق والدوحةولم يكن رحيل الشيخ حمد حدثا قطريا داخليا فحسب، بل أعاد إلى واجهة الذاكرة السورية مرحلة كاملة من العلاقات بين دمشق والدوحة، بدأت قبل الثورة بالتقارب والتعاون، ثم تحولت مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية إلى قطيعة سياسية مع نظام المخلوع، ودعم واضح لمطالب السوريين بالحرية والتغيير.
ويستذكر السوريون، مع رحيل الأمير الوالد، موقف قطر التي كانت من أوائل الدول العربية التي أعلنت انحيازها إلى مطالبهم، ودفعت داخل جامعة الدول العربية نحو اتخاذ إجراءات ضد نظام المخلوع، قبل أن تواصل دعم المعارضة السورية سياسيا وإنسانيا، في وقت اختارت فيه دول أخرى التراجع عن مواقفها أو إعادة العلاقات مع النظام.
منذ الأشهر الأولى للثورة، دعمت قطر مطالب السوريين بوقف العنف وإجراء تحول سياسي حقيقي، وكانت من أبرز الدول التي عملت داخل جامعة الدول العربية لتعليق عضوية النظام المخلوع في تشرين الثاني 2011.
كما أيدت الدوحة الاعتراف بالمعارضة السورية ممثلا للشعب السوري، واستضافت لقاءات ومؤتمرات أسهمت في توحيد عدد من أطر المعارضة السياسية، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية للاجئين والنازحين والمتضررين من الحرب.
واتخذ الشيخ حمد مواقف علنية حادة من النظام المخلوع، معتبرا أن استمرار القتل والقمع أغلق أبواب الحلول التقليدية، وأن من حق السوريين الحصول على الدعم اللازم لحماية أنفسهم وتحقيق تطلعاتهم.
موقف استمر بعد انتقال الحكمعندما سلّم الشيخ حمد الحكم إلى نجله الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، لم يتغير جوهر الموقف القطري من القضية السورية، بل حافظت الدوحة على دعمها للحل السياسي الذي يلبي تطلعات السوريين، ورفضت إعادة تطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد.
ومع تغير مواقف عدد من الدول العربية خلال السنوات اللاحقة، بقي الموقف القطري من أكثر المواقف ثباتا، إذ ربطت الدوحة أي عودة للعلاقات مع النظام بتحقيق تقدم حقيقي في الحل السياسي وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بسوريا.
ورفضت قطر إعادة فتح سفارتها في دمشق خلال حكم النظام المخلوع، كما عارضت إعادة تأهيله سياسيا من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى الثورة، أو تحقيق العدالة للضحايا، أو ضمان عودة آمنة وكريمة للاجئين.
علاقات مرت بمراحل متباينةلم تكن العلاقات السورية القطرية على وتيرة واحدة، فقد شهدت قبل عام 2011 مرحلة من التقارب السياسي والاقتصادي، خصوصا خلال سنوات العزلة التي فُرضت على النظام المخلوع عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
وسعت قطر في تلك المرحلة إلى لعب دور الوسيط بين دمشق وعدد من العواصم العربية والغربية، كما توسعت الاستثمارات القطرية في سوريا، وبرز تعاون سياسي بين البلدين في عدد من الملفات الإقليمية.
إلا أن اندلاع الثورة السورية غيّر طبيعة هذه العلاقة جذريا، بعدما اختارت الدوحة الوقوف إلى جانب المحتجين، في حين مضى النظام في استخدام القوة العسكرية لقمعهم.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعد العلاقة بين قطر وسوريا مرتبطة بالنظام الحاكم في دمشق، بل أصبحت، وفق الرؤية القطرية، علاقة مع الشعب السوري وتطلعاته ومستقبله السياسي.
قطر بعد سقوط النظام المخلوعمع سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، دخلت العلاقات السورية القطرية مرحلة جديدة، انتقلت فيها الدوحة من دعم الثورة والمعارضة إلى مساندة الدولة السورية الجديدة ومؤسساتها.
وبرزت قطر بوصفها من أوائل الدول الساعية إلى إعادة بناء العلاقات الرسمية مع دمشق الجديدة، ودعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية والمساهمة في إعادة تأهيل قطاعات أساسية.
كما حملت المرحلة الجديدة فرصا لتطوير التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار والبنية التحتية، مستندة إلى رصيد سياسي وشعبي راكمته قطر خلال سنوات الثورة.
تكمن خصوصية الموقف القطري في أنه لم يكن موقفا مؤقتا ارتبط ببدايات الثورة، بل استمر رغم طول سنوات الصراع وتغير التحالفات الإقليمية والدولية.
ففي الوقت الذي أعادت فيه دول عربية فتح قنواتها مع النظام السابق، بقيت الدوحة متمسكة برفض التطبيع المجاني، معتبرة أن إعادة النظام إلى محيطه العربي من دون حل سياسي أو محاسبة لن تؤدي إلى الاستقرار.
وبهذا المعنى، مثّل سقوط نظام المخلوع نهاية مرحلة طويلة حافظت خلالها قطر على موقفها، وبداية مرحلة جديدة أتاحت تحويل الدعم السياسي والإنساني للسوريين إلى علاقة رسمية مع سوريا الجديدة.
إرث حاضر في الذاكرة السوريةبرحيل الشيخ حمد بن خليفة، تفقد قطر أحد أبرز مهندسي نهضتها الحديثة، في حين يستذكر السوريون قائدا عربيا ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ بلادهم.
وقد تختلف التقييمات بشأن بعض جوانب السياسة القطرية وأدوارها الإقليمية، لكن موقف الشيخ حمد من الثورة السورية يبقى واحدا من أكثر مواقفه حضورا في الذاكرة السياسية السورية، بوصفه من أوائل القادة الذين أعلنوا بوضوح أن العلاقة مع سوريا لا يمكن أن تُختزل في العلاقة مع نظام يقمع شعبه.
ومع انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة بعد سقوط النظام المخلوع، تبدو العلاقات مع قطر مرشحة لمزيد من التطور، مستندة إلى تاريخ من الدعم السياسي والإنساني، وإلى موقف ظل صامدا طوال سنوات الثورة، منذ عهد الأمير الأب الشيخ حمد بن خليفة وحتى عهد الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك