تُعوّل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في المغرب على برنامج" المدارس الصيفية" لمواجهة الهدر المدرسي (التسرب المدرسي) الذي يُعتبر تحدياً كبيراً يواجه البلاد من جراء مغادرة نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة للمؤسسات التعليمية سنوياً، من بينهم 160 ألف تلميذ في المستوى الإعدادي.
ويُعدّ الانقطاع عن التعليم في المغرب من أبرز أوجه الاختلال الذي تعانيه المنظومة التعليمية، بحسب ما تفيد تقارير رسمية، في حين ترتفع نسبة التسرب المدرسي، خصوصاً في الأرياف، بسبب بُعد المدارس وارتفاع نسبة الفقر.
وتفيد المؤشرات المرتبطة بالموسم الدراسي 2025 ـ 2026 بأنّ ستّ أكاديميات للتربية والتكوين (التدريب والتأهيل) من أصل 12 أكاديمية تتوزع في مناطق عدّة، تُسجّل أرقاماً مقلقة في عدد ونسب التلاميذ غير المسجّلين في مؤسساتهم الإعدادية على الصعيد الوطني، ولا سيّما على مستوى إعداديات الريادة التي تحتضن مشروعاً تراهن عليه الحكومة ضمن رؤيتها الإصلاحية 2022 ـ 2026، ويشمل نحو 16 ألف تلميذ عبر عددٍ من الأكاديميات.
وكانت النسخة الأولى من برنامج" المدارس الصيفية" قد أُطلقت العام الماضي بشكل تجريبي، حتى صار اليوم يشكّل برنامجاً تربوياً يُنظَّم خلال فترة العطلة الصيفية، ويستهدف التلاميذ والتلميذات الذين يعانون تعثراً في التعليم أو أولئك المهدّدين بالانقطاع عن الدراسة.
ويتضمّن البرنامج الذي يُنظَّم في خلال يوليو/تموز الجاري، حصصاً للدعم والتأهيل في مادّتَي الرياضيات واللغة الفرنسية، إلى جانب أنشطة للتوعية والتوجيه، تشمل المسرح والرسم والرياضة والروبوتيك، بما يسهم في تنمية الكفاءات وتعزيز الثقة بالنفس.
كما يستفيد جزء من المشاركين والمشاركات من المخيمات الصيفية، وذلك في إطار شراكة تجمع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، والجامعة الوطنية للتخييم.
وهذا العام، يستفيد من البرنامج 38 ألف تلميذ وتلميذة من المدرسة الصيفية، و7 آلاف تلميذ وتلميذة من المخيمات الصيفية، في خطوة تعكس" حرص الوزارة على مواكبة المتعلمات والمتعلمين، والارتقاء بفرص نجاحهم، والحد من الانقطاع عن الدراسة".
وكان التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة" يونيسف"، قبل أسابيع، قد كشف أنّ نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة في المغرب غادروا مقاعد الدراسة العام الماضي، ما يهدد مستقبل جيل كامل، ويعطّل مسار التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة.
وأوضح التقرير الذي أُعدّ بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية في المغرب، أنّ ظاهرة الهدر المدرسي لا تقتصر على الفئات الفقيرة فقط، بل تطاول الفئات المتوسطة أيضاً.
وأشار إلى أنّ" العوامل المؤدية إلى الهدر تتعدد بين ضغوط اقتصادية وقيود ثقافية واجتماعية وأسباب تتعلق بجودة البيئة التعليمية نفسها، ما يشير إلى حجم الأزمة التعليمية التي يواجهها النظام التربوي في المغرب".
وأفاد التقرير بأنّ" الفتيات يشكلن الفئة الأكثر عرضة للهدر المدرسي، خصوصاً في المناطق الريفية والتجمعات الحضرية الهامشية، حيث تجعل معوّقات عدّة استمرارهنّ في الدراسة، أملاً بعيد المنال".
وفي إبريل/نيسان 2025، كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي خطة لتقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث من خلال استهداف نحو 80 ألف تلميذ مهدّدين بالانقطاع عن التعليم الإعدادي، وتوجيههم إلى مسارات بديلة، مثل" مدارس الفرصة الثانية"، حيث يتلقون تدريباً مهنياً يؤهلهم للاندماج في سوق العمل، أو العودة إلى متابعة دراستهم.
وأطلقت الوزارة عدداً من البرامج، أبرزها مشروع" إعداديات الريادة" الذي يركز على توفير الدعم البيداغوجي، وتنظيم أنشطة موازية في مجالات الموسيقى والرياضة والمسرح، بهدف تعزيز ارتباط التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، كما استحدثت خلايا للتتبع النفسي والتربوي للأطفال المعرّضين للتسرب، بالاعتماد على البيانات الرقمية المتوفرة في منظومة" مسار" من أجل التدخل المبكر.
ومنذ أعوامٍ، يطمح المغرب إلى وقف النزف المدرسي عبر مجموعة من البرامج التي توفر النقل المجاني والطعام والمبيت للتلاميذ الذين يقطنون بعيداً عن مقارّ تعليمهم، أو عبر تقديم الدعم المادي للأسر واستقبالها في سكن التلاميذ والتلميذات، مع مبادرة توزيع مليون حقيبة تضمّ لوازم مدرسية، بالإضافة إلى إنشاء مدرسة الفرصة الثانية التي تُقدّم دعماً مدرسياً للتلاميذ الذين تسرّبوا من التعليم.
وتعليقاً على برنامج" المدارس الصيفية"، يقول رئيس المنتدى المغربي للحق في التربية والتعليم، هشام الهواري، لـ" العربي الجديد"، إنّها" مبادرة نثمّنها ونصفّق لها بوصفها فكرة تنمّ عن نَفَسٍ جديد من الإبداع في خلق الحلول الممكنة لمعضلات التعليم ببلادنا".
ويرى أنّ استهداف التلاميذ والتلميذات المهدّدين بالانقطاع عن الدراسة، في زمانٍ ومكانٍ غير اعتياديين، دليل على إرادة حقيقية للتصدي للهدر المدرسي، خصوصاً في ظل الأرقام المقلقة المرتبطة به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك