في 13 يوليو/ تموز 1985، اجتمع أكثر من 160 ألف شخص في ملعبَي ويمبلي بلندن وجون كينيدي في فيلادلفيا، بينما تابع أكثر من مليار مشاهد البث المباشر في عشرات الدول.
على مدى 16 ساعة، تعاقب نجوم الموسيقى على مسرحين يفصل بينهما المحيط الأطلسي، في محاولة لجمع الأموال لمواجهة المجاعة في إثيوبيا.
حمل الحدث اسم “لايف إيد”، ولم يكن أول حفل خيري في التاريخ، لكنه كان الأوسع انتشارًا والأكثر طموحًا.
أراد منظّموه تحويل شهرة الفنانين إلى أداة إغاثة، وشاشة التلفزيون إلى نافذة يرى عبرها العالم أزمة بقيت طويلًا خارج دائرة الاهتمام.
صرخة عالمية لإغاثة الجياعكان ذلك العرض الموسيقي صرخة عالمية طموحة سعت لتسخير الفن وشهرة النجوم والشاشات الفضائية، في محاولة لإنقاذ حياة الملايين الذين نال منهم الجوع في إثيوبيا، واضعين تلك الأزمة الإنسانية في بؤرة اهتمام العالم.
وبحسب موقع" إند هانغر"، لقد أتاح هذا الحدث الإعلامي الأضخم على الإطلاق، الذي وصل إلى جمهور يُقدَّر بنحو 1.
5 مليار نسمة حول العالم، فرصةً فريدةً لتوعية أعداد هائلة من الناس بشأن القضاء على الجوع.
وبعد أكثر من أربعة عقود، ما زال الحفل حاضرًا في الذاكرة، ولا سيما بأداء فرقة" كوين" ورحلة فيل كولينز بطائرة الكونكورد بين لندن وفيلادلفيا.
إلا أن إرثه يتجاوز لحظاته الموسيقية؛ فقد رسّخ نموذجًا للعمل الإنساني تقوده النجومية والصورة، وفتح نقاشًا لم ينتهِ حول قدرة الموسيقى على مواجهة المجاعات، والطريقة التي تُروى بها أزمات إفريقيا، وما إذا كان جمع المال كافيًا عندما تكون أسباب الجوع سياسية أيضًا.
بدأت قصة" لايف إيد" قبل الحفل بأشهر، عندما نقلت تقارير تلفزيونية إلى الجمهور الغربي مشاهد المجاعة في شمال إثيوبيا.
ظهرت أجساد هزيلة ومراكز إغاثة عاجزة عن استقبال جميع المحتاجين، فتحولت أزمة بعيدة إلى مشهد يومي داخل غرف المعيشة.
امتدت المجاعة بين عامي 1983 و1985، وتزامنت مع الجفاف والحرب وسياسات حكومة منغستو هيلا مريام، بما شمل فرض حصص على الحبوب، وتقييد الأنشطة الاقتصادية في الأرياف، واتباع سياسات عسكرية ألحقت أضرارًا بالمحاصيل والثروة الحيوانية، إضافة إلى تنفيذ برامج نقل قسري للسكان.
لذلك تربط الدراسات اتساع المجاعة بتداخل الجفاف مع الصراع المسلح وقرارات السلطة.
كان الموسيقي الإيرلندي بوب غيلدوف من بين الذين أثرت فيهم الصور.
تعاون مع ميدج يور في كتابة أغنية “Do They Know It’s Christmas؟ ”، وجمع عددًا من أشهر الفنانين البريطانيين تحت اسم" باند إيد".
حققت الأغنية انتشارًا واسعًا وجمعت ملايين الجنيهات، لكن حجم الأزمة دفع القائمين عليها إلى التفكير في حدث عالمي يتجاوز إصدار أغنية خيرية.
بدأ الحفل ظهرًا في ملعب ويمبلي، قبل أن تنضم إليه منصة فيلادلفيا.
شارك في لندن بول مكارتني وديفيد بوي وإلتون جون وفرق" يو 2" و" ذا هو" و" كوين"، فيما ظهر في فيلادلفيا بوب ديلان ومادونا وإريك كلابتون وتينا تيرنر وميك جاغر، إلى جانب أسماء وفرق عادت إلى المسرح بعد غياب.
اختصر انتقال فيل كولينز بين المدينتين فكرة الحفل.
فقد غادر ويمبلي إلى مطار هيثرو، وعبر الأطلسي على متن طائرة الكونكورد، ثم ظهر على مسرح فيلادلفيا في اليوم نفسه، كأن الحدث يريد إلغاء المسافات أمام بث تلفزيوني يجمع العالم في لحظة واحدة.
واجهت العروض والبث مشكلات تقنية، لكن الحفل أنتج لحظات أصبحت جزءًا من تاريخ الموسيقى.
كان أبرزها ظهور فريدي ميركوري مع" كوين"، حين قاد جمهور ويمبلي خلال عرض استمر نحو 20 دقيقة، واكتسب لاحقًا مكانة استثنائية بين أشهر العروض الحية.
تدفقت التبرعات خلال البث، وتجاوزت الحصيلة 100 مليون جنيه إسترليني بحسب ملعب ويمبلي.
أثبت" لايف إيد" أن المشاهد يمكن أن يتحول، خلال ساعات، من متابع لأزمة بعيدة إلى مساهم في الاستجابة لها.
كان فنانون كثيرون قد شاركوا قبل" لايف إيد" في حملات سياسية وخيرية، لكن الحفل جعل النجومية نفسها جزءًا من منظومة جمع التبرعات: يجذب الفنان الجمهور، ويجذب الجمهور محطات التلفزيون، ثم يحول البث الواسع التعاطف إلى مال وضغط سياسي.
انتقلت الصيغة لاحقًا إلى حملات مواجهة الزلازل والأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية في نموذج قادر على كسر اللامبالاة.
أصبحت الحفلات الجماعية والأغاني المشتركة والنداءات المتلفزة أدوات مألوفة، واتسع حضور المشاهير داخل منظمات الإغاثة وحملات مكافحة الفقر والديون والأمراض.
تركزت أبرز الانتقادات الموجهة إلى" لايف إيد" على الطريقة التي ظهرت بها إفريقيا.
فقد قُدمت القارة في معظم المواد المصاحبة باعتبارها مكانًا للمجاعة والعجز والموت، بينما احتل الفنانون الغربيون موقع الفاعلين القادرين على الإنقاذ.
كان الحضور الإفريقي محدودًا على المنصتين الرئيسيتين، ولم يسمع الجمهور كثيرًا من الإثيوبيين عن أسباب المجاعة أو احتياجات المجتمعات المتضررة.
ظهرت صور الضحايا بكثافة، وغابت أسماؤهم وأصواتهم والسياق السياسي الذي أنتج معاناتهم.
اختُزلت قارة متعددة البلدان والمجتمعات في صورة" إفريقيا الجائعة" التي تنتظر المساعدة من الخارج.
وتذهب دراسات لاحقة إلى أن التغطية الإعلامية وخطاب المشاهير أسهما في حشد دعم هائل، لكنهما أبعدا العوامل السياسية عن المشهد وركّزا على أعراض المجاعة أكثر من أسبابها.
لا تنفي هذه الانتقادات ضرورة التبرعات أو أثر عمليات الإغاثة في إنقاذ الأرواح.
إنها تشير إلى اختلال في توزيع الأدوار، إذ ظهر الغرب يتكلم ويتحرك، فيما ظهرت إفريقيا متلقية للمساعدة من دون صوت أو قدرة على الفعل.
كذلك رافق" لايف إيد" جدل طويل بشأن توزيع المساعدات داخل إثيوبيا، التي كانت تخضع لحكم عسكري وتخوض حربًا ضد حركات متمردة.
أظهرت تقارير أن الحكومة الإثيوبية تلاعبت بجانب من المساعدات، وربطت توزيعها ببرامج النقل القسري للسكان واحتياجاتها العسكرية.
لا يثبت ذلك الادعاء الشائع بأن أموال “باند إيد” و”لايف إيد” استُخدمت لشراء الأسلحة.
ففي عام 2010، اعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية عن تقارير أعطت هذا الانطباع، بعدما خلصت وحدة الشكاوى التحريرية إلى عدم وجود أدلة تثبت تحويل أموال الصندوق إلى شراء السلاح.
تكشف القضية مشكلة أوسع من ذلك الادعاء.
فإدخال مساعدات ضخمة إلى بلد تحكمه سلطة استبدادية ويشهد حربًا أهلية يضع منظمات الإغاثة أمام خيارات معقدة.
قد تصل المواد إلى المحتاجين، وقد تستخدم السلطة طرق توزيعها لخدمة أهداف سياسية أو عسكرية.
أظهرت تجربة إثيوبيا أن جمع الأموال أسهل من ضمان وصولها بصورة عادلة ومستقلة عن أطراف الصراع.
من" لايف إيد" إلى" لايف 8"عاد بوب غيلدوف في عام 2005 إلى تنظيم سلسلة حفلات حملت اسم" لايف 8"، بالتزامن مع الذكرى العشرين لـ" لايف إيد" وقبيل اجتماع قادة مجموعة الثماني في اسكتلندا.
اختلف الهدف هذه المرة.
لم تكن الحفلات موجهة أساسًا لجمع التبرعات، وإنما لحشد الجمهور والضغط على الحكومات من أجل زيادة المساعدات وإعفاء الدول الفقيرة من الديون.
عكس هذا التحول إدراكًا بأن الفقر لا يُعالج بشحنات الغذاء وحدها، وأن الديون وشروط التجارة والحروب والسياسات الزراعية والصحية تحتاج إلى قرارات حكومية طويلة الأمد.
وأظهر" لايف 8" أن العمل الإنساني القائم على المشاهير بدأ يحاول تجاوز الاستجابة الطارئة نحو التأثير في السياسات.
ووفق موقع" هيستوري"، ساهم" لايف 8" قد جزئيًا في اتخاذ مجموعة الثماني قرارًا لاحقًا بإلغاء ديون 18 دولة من أفقر دول العالم، وتسهيل الحصول على أدوية الإيدز، ومضاعفة حجم المساعدات السنوية الموجهة إلى أفريقيا لتصل إلى 50 مليار دولار.
يصعب اليوم تكرار" ايف إيد" بالمقياس نفسه.
اجتمع جمهور عام 1985 حول عدد محدود من القنوات والنجوم، وكانت الشاشة المشتركة قادرة على إنتاج لحظة عالمية واحدة.
أما الجمهور الحالي فتوزعه المنصات والخوارزميات والمجتمعات الرقمية، كما لم تعد موسيقى الروك تحتل الموقع نفسه في الثقافة الشعبية.
لم تختفِ الفكرة مع ذلك.
ما زالت تظهر في حفلات دعم ضحايا الكوارث، وحملات البث المباشر والتبرع عبر الإنترنت، واستخدام الفنانين حساباتهم لحشد الجمهور.
تغيرت الوسائل، لكن المعادلة التي رسخها" لايف إيد" باقية: تحويل الانتباه الجماهيري إلى استجابة إنسانية.
وأصبحت الحملات المعاصرة مطالبة كذلك بإشراك أصوات المجتمعات المتضررة، وشرح الأسباب السياسية للأزمات، وتوضيح طريقة إنفاق الأموال.
لم يعد عرض صورة مؤلمة إلى جانب نجم شهير كافيًا؛ فالجمهور يسأل اليوم عمّن اختار الصورة، ومن يتحدث باسم الضحايا، ومن يدير الأموال، وما الذي سيبقى بعد انتهاء البث.
لم تنقذ الموسيقى العالم في 13 يوليو/ تموز 1985.
لم تنتهِ المجاعات، ولم تختفِ الحروب التي يستخدم فيها الغذاء أداة للضغط، ولم تتحول التبرعات إلى علاج دائم للفقر.
ومع ذلك، أثبت الحفل أن الجمهور ليس عاجزًا تمامًا أمام كارثة تقع في بلد بعيد، وأن الثقافة الشعبية تستطيع فرض قضية إنسانية على وسائل الإعلام والحكومات.
وكشف في الوقت نفسه حدود التعاطف عندما لا يصاحبه فهم للتاريخ والسياسة، أو حضور لأصوات الأشخاص الذين يُراد مساعدتهم.
ولم ينتهِ" باند إيد" بانطفاء أضواء الحفل.
ما زال الصندوق الخيري مسجلًا في بريطانيا ويقدم منحًا لمواجهة الجوع والفقر والأمراض في إفريقيا.
وخلال السنة المالية المنتهية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بلغ إنفاقه أكثر من 3.
1 ملايين جنيه إسترليني، خُصص نحو 3.
06 ملايين منها للأنشطة الخيرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك