سبحان من جعل الأعمال أصدق مخبر عن مرتبة الإنسان، وهو الذي قال لبني آدم في محكم كتابه العظيم: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [التوبة: 105].
وعلى هذه القاعدة جرى لسان الشاعر راثيا:أتعرف؟ إن الموت راوية الفتى.
يقول لحق أم لباطل انتمىيعيش الفتى مهما تكلم صامتا.
فإن مات أفضى قوله فتكلماوها نحن يسلمنا حزن إلى حزن، وتتعثر خطانا في فقد تلو فقد، كأنما هي سمة لحياة العرب في هذا العصر، أن تختمر المآسي في قلوبنا حتى لا يبقى فينا خرم إبرة إلا وهو يئن على شعب ينحر، أو وطن يسلب، أو ظلم يشيع، أو صالح يقبض.
وها هو أمير النهضة القطرية، وقبس من رموز الأخوة العربية، يفجؤنا هذا الصباح بإجابته داعي الخلود، بعد أن ترك دار الفناء، وإنها لشاهدة على سعيه، وعبقة من أريج أثره.
لا ننسى ركوبه الخطر بغير طيش، إذ كان للشعب الفلسطيني خير أخ ماكث على الجبهة العظمى للعرب والمسلمين في هذا العصر، فراح الأمير، رحمه الله، ينفق من سعة، ويجول في الأرض المباركة يعاين أحوال أهلها، ويقيم ما تهدم من دورهممضى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى رحمة الله، بعد أن ترك بصمته المتفردة في هذا العصر الذي نأت فيه أكثر عروش العرب عن أصولها الثقافية، وبترت أواصرها الأخوية.
أما هو، فقد بعثته الجرأة العربية التي هذبتها تربيته الملكية ليرقى بالإمارة القطرية، فانقلبت بسعيه من إمارة صغيرة إلى حالة عربية تملأ السمع والبصر، فنهض بالإعلام والتعليم حتى زخرت تلك الديار الصحراوية بالعقول الفذة، وعلا صوت" الجزيرة" يذرع الآفاق.
ومهما ننسى، فلا ننسى ركوبه الخطر بغير طيش، إذ كان للشعب الفلسطيني خير أخ ماكث على الجبهة العظمى للعرب والمسلمين في هذا العصر، فراح الأمير، رحمه الله، ينفق من سعة، ويجول في الأرض المباركة يعاين أحوال أهلها، ويقيم ما تهدم من دورهم، ويعين مكروبهم مما آتاه الله، وكان وحيد العرب في التواصل مع عرفات زمن حصاره من إسرائيل، فلم يخش في ذلك مكر الصهيونية ولا مكايدها، ولم يحجمه عن متابعة أخلاقه، واستشارة ضميره، وملازمة صراط ربه، خوف من عاقبة.
رحمك الله أيها الأمير الوالد، حين مهدت بعملك لرفد الأجيال العربية الآتية بعقول عالمة مواكبة لهذا الزمن، ورحمك الله حين وقفت إلى جانب المظلوم والمحتاج، غير متساوق مع من بدل وأشاح، فكنت في ذلك ذخرا لفلسطين ولبنان في أحلك أيامهما، ورحمك الله حين جعلت الصحراء القائظة دوحة طيبة، وفتحتها لكل فار من جور، وباحث عن بيت وأهل، ورحمك الله حين رفعت للعرب ذكرهم، وعرفت العالم أجمع بصحيح ثقافتهم، فجئت بخلق الله من كل حدب وصوب، ولون ولسان، إلى وطنك الفتي، تجمعهم على ما يهمهم من شأن الرياضة، حتى رأوا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم، وأدركوا بقلوبهم صغر ثقافتهم في مقابل ثقافتنا، ورحمك الله أيها الأمير حين برهنت على أن العرش يكبر بالرجل الرشيد لا العكس، فتنازلت عنه غير باخع نفسك عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك