انتصر المنتخب المصرى فى عيون الجماهير المصرية بعد خروجه من دور الـ١٦ فى بطولة كأس العالم، لم يكن خروج مصر أمام الأرجنتين مجرد تراجع فى مباراة كرة قدم، ولم يكن الغضب المصرى مجرد انفعال جماهيرى عابر.
رفع كابتن حسام حسن إشارة العنصرية وعاد الفريق إلى أرض الوطن رافعاً رأسه منتصراً برسالات إنسانية قدّمها للعالم كله، إذن كيف لا يكون ذلك انتصاراً إذا كنت عائداً بشرف وكاشفاً للظلم؟ ما حدث على أرض الملعب فتح باباً أوسع من الرياضة نفسها، باباً يتصل بسؤال قديم يتردد فى الوجدان العربى: هل العدالة تُطبق على الجميع بالمعيار نفسه؟منذ اللحظة الأخيرة للمباراة، لم يبق الجدل داخل الحدود المصرية.
وسائل إعلام دولية تناولت القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، ووصفت المباراة بأنها من أكثر مباريات البطولة إثارة للنقاش.
تقارير صحفية سلطت الضوء على عدم قانونية إلغاء هدف مصرى بعد تدخل تقنية الفيديو، وعدم احتساب ركلات جزاء، بينما نقلت احتجاج الاتحاد المصرى لكرة القدم الذى تقدم بشكوى رسمية إلى فيفا مطالباً بالتحقيق فيما وصفه بـ«الأخطاء الجسيمة» وسوء استخدام تقنية VAR.
تناولت صحف ومؤسسات إعلامية دولية الجدل باعتباره قضية أثارت أسئلة حول نزاهة التحكيم، New York Post قالت إن مصر أحدث ضحايا الـVAR وقالت إن الهدف المصرى أُلغى بسبب مخالفة حدثت قبل أكثر من 20 ثانية وعلى بعد يقارب 100 ياردة من المرمى، بينما لم تُراجع لقطة الاحتكاك مع محمد صلاح قبل هدف الأرجنتين الثالث، Reuters قالت: كبار محللى الكرة الإنجليز انتقدوا قرارات الحكم.
كذلك The Guardian قالت إن مصر قدمت أفضل المباريات ولكنها مباراة مليئة بالجدل، كثير من المعلقين على المنصات الغربية أكدوا حق المصريين فى الإحساس بالظلم لأن المباراة سُرقت منهم على الأرجح!وقال المحلل الرياضى البريطانى «Alan Shearar»: «إما أن تكون اللقطتان مخالفة.
أو لا تكون أى منهما مخالفة»، يعنى المشكلة بالنسبة له لم تكن فى القرار وحده، بل فى غياب الاتساق!قال الكاتب الفرنسى «إيميه سيزر» فى كتابه discourse on colonization إن الاستعمار هو تحويل الإنسان إلى «شىء»، نفس الفكرة تتجسد فى المباراة، إذ تمت التضحية بمجهودات فريق كامل وطموحات شعب كامل من أجل شىء مادى وهو استمرار الأرجنتين فى البطولة لجلب مزيد من الأموال!لذلك، القضية بالنسبة للمصريين والعرب لم تكن مجرد تفسير قانونى للائحة التحكيم.
فالذاكرة العربية مثقلة بتاريخ طويل يجعل الحديث عن العدالة أكثر تعقيداً من مجرد قرار داخل المستطيل الأخضر.
كيف يمكن لشعب يرى آلافاً من آثاره الفرعونية موزعة بين متاحف أوروبا أن يفصل بين الحاضر والماضى؟ كيف يمكن لمن يقرأ تاريخ الاستعمار البريطانى والفرنسى للمنطقة، وتقسيماتها السياسية، واستنزاف ثرواتها، أن ينظر إلى أى شعور بالظلم باعتباره حدثاً معزولاً عن سياقه التاريخى؟لقد خرجت كنوز الشرق، من مصر والعراق وسوريا وفلسطين، فى حقب كان ميزان القوة فيها هو القانون الحقيقى.
وما زالت حتى اليوم معارك استعادة الآثار المصرية مستمرة، لأن جزءاً من هوية هذا الوطن ما زال معروضاً خلف واجهات زجاجية فى عواصم الغرب.
ولذلك، فإن غضب المصريين بعد مباراة الأرجنتين لا يمكن اختزاله فى كرة القدم.
إنه انعكاس لذاكرة تاريخية تراكمت فيها مشاهد كثيرة؛ من الاستعمار إلى نهب الثروات والآثار، وسرقة الأراضى الفلسطينية والنظرة الغربية الفوقية للشرق، مروراً بازدواجية المعايير فى كثير من القضايا الدولية.
الإرث الذى تركه الاستعمار ممتد إلى احتلال فلسطين ونهب ثروات وأراضى الدول العربية ونزعة استحواذ الغرب على ممتلكات الشرق، يفسر لماذا يصبح أى قرار تحكيمى مثير للجدل أكبر من مجرد خطأ بشرى فى نظر جماهير تحمل شعوراً بالإقصاء والعنصرية والتأكد من أن موازين العدالة الدولية لا تميل دائماً بالقدر نفسه للجميع.
وربما لهذا السبب لم يكن السؤال الذى طرحه المصريون بعد المباراة: «كيف ظلم الحكم منتخب مصر إلى هذا الحد؟ »، بل كان السؤال الأعمق: لماذا يبدو الإحساس بالظلم مألوفاً إلى هذا الحد؟لأن الأمم لا تشاهد الأحداث بعيون الحاضر وحده، بل بذاكرة التاريخ أيضاً.
وعندما تتراكم فى هذه الذاكرة صور الاحتلال، ونهب الآثار، واستغلال الثروات، تصبح أى واقعة مثيرة للجدل قابلة لأن تُقرأ باعتبارها فصلاً جديداً فى قصة أقدم بكثير من مباراة كرة قدم، وتصبح سرقة مباراة ما هى إلا امتداد إلى سرقات تاريخية قام بها الاستعمار والاحتلال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك