رغم أنهم يسكنون قريباً من سدود تُخزّن ملايين الأمتار المكعبة من المياه، يعيش آلاف التونسيين حالة عطش مزمنة، في مفارقة تختزل عمق أزمة العدالة المائية في البلاد.
يطل التجمع السكني بمنطقة" الوليجة" في محافظة باجة (شمال غرب)، على سد سيدي البراق الذي تصل مياهه إلى حدود منطقة الساحل، لكن جيران السد ينتظرون قرار ربطهم بشبكة توزيع المياه التي تديرها شركة استغلال وتوزيع المياه الحكومية.
من الوليجة، يقول عماد الحسايني لـ" العربي الجديد": " نرى مياه السد أمامنا منذ أن شيّد قبل 26 عاماً، لكننا لا نزال نشرب من الآبار السطحية المالحة أو نتزود من عيون غير مراقبة صحياً.
يعمل سكان الوليجة في منشأة سد سيدي البراق، لكنهم لا يملكون صنبور مياه صالحة للشرب في بيوتهم، وليست لديهم مصادر مياه منتظمة غير الآبار أو المجامع المائية، ويعانون من صعوبات كبيرة تمنع انتظام تزويدهم بمياه الشرب والري".
وتطرح معاناة سكان الريف التونسي الذين يقطنون على تخوم السدود سؤالاً جوهرياً حول العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
فبينما تُخزَّن المياه خلف جدران خرسانية، يظل العطش واقعاً يومياً لمن يعيشون في ظلها، في انتظار سياسات تنقل الماء من كونه مورداً مركزياً إلى حق فعلي لكل المواطنين، وفق ما ينص دستور البلاد.
ويعزو خبراء حرمان جيران السدود من الماء إلى ضعف الاستثمار في البنى التحتية الريفية، وغياب شبكات التزود التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، إضافة إلى هشاشة المجامع المائية التي تعاني من ديون وأعطال متكررة وسوء الحوكمة، بينما تشكل المياه السطحية المخزنة في السدود مصدراً رئيساً للمياه في تونس، إذ تُنقل عبر محطات ضخ لمعالجتها قبل توزيعها على المناطق عبر الشبكة العامة للمياه.
ويقول الخبير في التنمية والمياه حسين الرحيلي لـ" العربي الجديد": " عدم توفر المياه لسكان المناطق القريبة من السدود يُظهر ضعف سياسات التخطيط المائي ومواصلة الاحتكام إلى نصوص قانونية لا توفر العدالة المائية لجميع المواطنين.
تنحصر مهمات شركة استغلال وتوزيع المياه التي أُنشئت في ستينيات القرن الماضي في توفير المياه للمدن والمناطق الحضرية، بينما أغفل قانون الشركة حق سكان الريف في الوصول إلى مصادر المياه، وهكذا تتغافل القوانين التي تنظم قطاع استغلال وتوزيع المياه في تونس، ومن بينها مجلة المياه، عن مسألة العدالة المائية، ولا تواكب احتياجات المواطنين.
لذا، يجب مراجعة السياسات العمومية نحو ضمان حقوق جميع المواطنين في النفاذ إلى حق الماء، خصوصاً من يقطنون على تخوم السدود".
ويعتبر الرحيلي أن" هذا الوضع خلق هشاشة كبيرة في صفوف النساء بالمناطق المحرومة من المياه، وهن يتحملن العبء الأكبر في جلب المياه، ما يضاعف معاناتهن اليومية ويؤثر في فرص العمل والتعليم".
وتضطلع النساء في أرياف تونس بدور أساسي في توفير المياه لأسرهن وحيواناتهن أو في تنفيذ أنشطة فلاحية عائلية، مثل زراعة العلف والخضار وتربية النحل.
وهن يجلبن المياه يومياً من مصادر العيون أو الآبار إلى منازلهن وحقولهن الزراعية.
ويرى الرحيلي أن" جزءاً مهماً من السياسات المائية التي تنفذها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لا يتعامل مع مياه الشرب باعتبارها حقاً يجب أن يتمتع به كل المواطنين على قدم المساواة، بل بوصفها سلعة تدر الأموال لضمان استمرار الشركة واستقلالها، لذا يجب تغيير السياسات عبر مجلة مياه جديدة لضمان هذا الحق في شكل أكثر واقعية، خصوصاً في المناطق الريفية والجبلية والقريبة من السدود".
ويحتوي الشمال التونسي على أكثر من 85% من الموارد المائية المخزّنة، نحو نصفها في محافظة باجة.
وتتميّز تونس باختلاف كبير في توزيع الأمطار بحسب السنوات والمناطق، وأنشئت السدود لتحسين التصرف في الموارد المائية، إذ بُني معظمها في الثمانينيات من القرن الماضي، وأكبرها سد سيدي سالم الذي شيّد عام 1981.
ومنذ عام 2009، نبّه البنك الدولي إلى احتمال أن تدخل تونس في أزمة فقر مائي خلال السنوات التالية، وعزا الأزمة إلى اعتماد البلاد في توفير ثلاثة أرباع احتياجاتها على المياه السطحية، أي من الأنهار والأمطار التي لا تتركز إلا في مناطق محدودة في شمال البلاد وغربها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك